سيدي محمد شماد – أصيلة – صحراء ميديا
تواصلت اليوم السبت بمدينة أصيلة شمال المغرب، أنشطة الدورة السابعة والأربعين لموسم أصيلة الثقافي الدولي، من خلال نقاشات تناولت تحديات الماء والطاقة والاندماج الإفريقي، وانعكاساتها على مستقبل القارة، خصوصا في ظل الحاجة إلى تطوير البنى التحتية وتعزيز الربط بين الدول وتحويل الممرات التجارية إلى مشاريع للتنمية وخلق القيمة وفرص العمل.
وتندرج النقاشات ضمن موضوع الدورة المتعلق بـ«الماء والطاقة كتحديات لجيوسياسية جديدة»، حيث ركز المتدخلون على الترابط بين الأمن المائي والطاقوي، والبنى التحتية، والتكامل الاقتصادي، والتحولات الديموغرافية التي تشهدها القارة الإفريقية.
أزمة الطاقة
وقال رئيس مجموعة البنك الأفريقي للتنمية، سيدي ولد التاه، إن التجارة البينية الإفريقية لا تزال محدودة، إذ لا تمثل سوى نحو 14.4 في المائة من إجمالي تجارة القارة، معتبرًا أن ذلك يعكس استمرار ضعف اندماج الاقتصادات الإفريقية فيما بينها.
وأشار ولد التاه، في مداخلة عبر تقنية الفيديو، إلى أن القارة ما تزال تواجه احتياجات كبيرة في مجال البنى التحتية، خصوصا في قطاعات النقل والطاقة والبنى التحتية المتكاملة، داعيا إلى تعزيز الاستثمارات لتسريع التحولات الاقتصادية التي تحتاجها إفريقيا.
وتوقف المسؤول الإفريقي عند واقع الطاقة، مشيرا إلى أن «نحو 600 مليون شخص في إفريقيا جنوب الصحراء لا يزالون محرومين من الوصول إلى الكهرباء»، وهو ما يعكس أهمية تحقيق التكامل الطاقوي وضمان الوصول الشامل إلى الطاقة.
وأضاف أن مجموعة البنك الأفريقي للتنمية تعمل على ربط 300 مليون إفريقي بالكهرباء بحلول عام 2030، مشيرًا إلى أن أكثر من 50 مليون شخص استفادوا بالفعل من هذا المسار.
ممرات التنمية
وتناول محمد بوطالب، وزير الطاقة والمعادن المغربي سابقًا، ضرورة تجاوز مفهوم الممرات باعتبارها مجرد طرق لعبور السلع، وتحويلها إلى فضاءات اقتصادية قادرة على إنتاج القيمة المضافة.
وفي هذا السياق، طرح بوطالب سؤالًا حول كيفية تسريع المبادرات القارية والإقليمية التي أطلقها المغرب في مجال الاندماج الإفريقي، وتحويل مشاريع الربط والطاقة والمبادرات الأطلسية إلى محركات للتنمية.

كما تحدث عن أهمية المنطقة الاقتصادية الإفريقية الأطلسية، ومشاريع الربط الكهربائي، والمبادرة الأطلسية، باعتبارها مبادرات يمكن أن تساهم في تعزيز التواصل بين الاقتصادات الإفريقية وفتح آفاق جديدة أمام التجارة والاستثمار.
وتناول بوطالب صعوبة تحقيق الاندماج الإفريقي، مستحضرًا التجربة الأوروبية، ومشيرًا إلى أن التكامل ليس مسارًا بسيطًا، بل يحتاج إلى مؤسسات قادرة على إدارته، وإلى رجال ونساء يمتلكون الكفاءة اللازمة لخلق الظروف الملائمة لإنجاحه.
وأكد أن مشاريع البنى التحتية والطاقة لا يمكن أن تحقق أهدافها بمعزل عن العنصر البشري، داعيًا إلى النظر إلى التكامل باعتباره عملية اقتصادية وإنسانية في الوقت نفسه.
كما شدد على ضرورة ألا تقتصر المشاريع الكبرى على تسهيل العبور، وإنما ينبغي أن تخلق فرصًا اقتصادية وصناعية جديدة للدول التي تمر عبرها هذه الممرات.
الأمن المائي
واعتبر سيدي ولد التاه أن الماء يمثل أحد العناصر الأساسية في مستقبل القارة، مشيرًا إلى عمل البنك الأفريقي للتنمية من خلال المرفق الإفريقي للمياه على مساعدة الدول في إعداد استثمارات قابلة للاستمرار، وتعزيز حكامة قطاع المياه، وبناء أمن مائي حقيقي.
ويرتبط هذا التحدي، وفق الطرح الذي قدمه ولد التاه خلال الجلسة، بالحاجة إلى تعبئة موارد مالية كبيرة وتطوير بنى تحتية قادرة على الصمود أمام التحولات التي تواجهها القارة.
كما أشار إلى عمل البنك على تعبئة رأس المال على نطاق واسع، وإصلاح البنية المالية لإفريقيا، وتثمين العائد الديموغرافي للقارة، وبناء بنى تحتية قادرة على الصمود.
المنهجية
ومن جانبه، دعا الدبلوماسي الموريتاني محمد الحسن ولد لبات إلى اعتماد منهجية علمية أكثر دقة في معالجة قضايا الماء والطاقة والبيئة، معتبرًا أن التعامل مع هذه العناصر بشكل منفصل لا يعكس طبيعة العلاقة الوثيقة بينها.
وقال ولد لبات إن الطاقة والماء والبيئة تشكل مثلثًا متكاملًا، موضحًا أن توفير المياه للشرب والري يرتبط بالطاقة، كما أن الحفاظ على البيئة لا يمكن أن ينفصل عن إدارة الموارد المائية.

وأشار إلى غياب نموذج متكامل على مستوى القارة يربط بين هذه العناصر، معتبرًا أن ضعف المنهجية يحد من القدرة على بناء تصورات استشرافية لمواجهة التحولات المقبلة.
وانتقد ولد لبات غياب تصور واضح لـنموذج تنمية إفريقي، متسائلًا عن وجود نموذج قاري للتنمية على غرار تجارب مناطق أخرى من العالم.
وقال إن القارة تمتلك نصوصًا وأولويات وبرامج متعددة، لكنها لا تزال تفتقر إلى نموذج تنموي إفريقي واضح، معتبرًا أن هذا الغياب يرتبط، ضمن عوامل أخرى، بضعف حضور السياسة في مراكز القرار.
كما دعا إلى الاستفادة من التجارب الإيجابية والسلبية التي عرفتها الدول الإفريقية، بدل الجمود وعدم الاستفادة من تجارب الآخرين.
وفي محور آخر، أبرز محمد بوطالب المسألة الديموغرافية باعتبارها أحد العناصر الأساسية في مستقبل الاندماج الإفريقي.
وقال إن إفريقيا تتجه نحو نمو سكاني كبير خلال العقود المقبلة، معتبرًا أن هذا التحول الديموغرافي ينبغي أن يحظى بمكانة مركزية في التخطيط للمشاريع الاجتماعية والاقتصادية.
وأكد بوطالب أن الاستثمار في الرجال والنساء، باعتبارهم رأس المال البشري، يمثل عنصرًا أساسيًا لإنجاح مشاريع التنمية والاندماج، إلى جانب الاستثمار في الطاقة والمياه والنقل والبنى التحتية.
ودعا ولد لبات، في ختام مداخلته، إلى إيلاء الشباب أهمية أكبر في صياغة مستقبل القارة، من خلال إتاحة مساحة أكبر للأحلام والطموح والتفكير في مستقبل إفريقيا.
وتجمع مداخلات اليوم الثاني من موسم أصيلة الثقافي، بذلك، بين تحديات الماء والطاقة والاندماج، في محاولة لبحث سبل بناء مشاريع إفريقية تتجاوز منطق العبور وربط الدول، نحو إنتاج القيمة المضافة وتعزيز التنمية وخلق فرص العمل.











