ما إن سمع صوت الرصاص والقذائف تدك العاصمة نواكشوط حتى ارتدى الشاب سيدي محمد فايدة الزي العسكري، واستقل سيارته متجها إلى قيادة الأركان العامة للجيوش للمشاركة في صد هجوم البوليساريو على العاصمة، في وقت كانت الفوضى تعم المدينة وحالة الهلع تسود المدنيين والعسكريين.
انضم ولد فايدة إلى إحدى الكتائب بناء على أوامر قائد الأركان آنذاك أحمد ولد بوسيف، واتجهوا إلى القصر الرئاسي، حيث تصدوا لهجوم كاد أن يُسقط العاصمة في يد البوليساريو.
يتذكر العقيد المتقاعد أول مهمة عسكرية وأول معركة خاضها بعد نحو 50 عاما من وقوعها، ويتحدث بإسهاب عن مساره في المؤسسة العسكرية خلال حلقة من بودكاست “مبتدأ” على صحراء 24.
يفتح سيدي محمد قلبه للبرنامج، فتنساب ذكريات عسكري خَبِر المؤسسة وعايش مرحلة دقيقة من تاريخ البلد. فقد كان شاهدا على الانقلابات العسكرية منذ عام 1978 وحتى آخر انقلاب عام 2008. وبين هذين التاريخين عرفت موريتانيا اختبارات وهزات كادت تعصف بكيان الدولة، ليظل الجيش، بحسب روايته، صمام أمان للبلد.
الطفل الموهوب
ولد سيدي محمد فايدة عام 1957 في أم شناز بولاية آدرار، وانتقل مع عائلته إلى العاصمة نواكشوط وهو في السابعة من عمره.
كانت العاصمة آنذاك لا تزال مدينة صغيرة، لا يتجاوز عدد سكانها ثلاثة آلاف نسمة، وكانت أغلب بناياتها قيد الإنشاء، بما في ذلك المدارس والإدارات الحكومية.
احتك ولد فايدة بأطفال حي لكصر واندمج في المجتمع الجديد، وأظهر موهبة لافتة في كرة القدم، حتى عُدّ من المواهب الصاعدة التي كان يُنظر إليها على أنها تستحق الاستدعاء إلى المنتخب الموريتاني.
ويقول إنه عاش طفولته مع أطفال لكصر بمختلف شرائحهم الاجتماعية، ولم يكن هناك أي تمييز. ويضيف: “كنا سواسية، نلعب كرة القدم ونتنافس مع الفرق الأخرى، ولم يكن هناك خطاب شرائحي أو لوني”.

ولم يكن سيدي محمد بارعا في كرة القدم فحسب، بل تميز أيضا في مساره الدراسي الابتدائي، وأظهر ذكاء وفطنة ميّزاه عن أقرانه، وهو ما عكسته نتائج مسابقة دخول السنة الأولى الإعدادية، حين حل في المرتبة الأولى على مستوى الوطن سنة 1970.
وأهله تفوقه للالتحاق بإعدادية كان يدرس فيها أبناء السفراء الأجانب، حيث واصل مسار التميز الدراسي، ونال شهادة ختم الدروس الإعدادية بمعدل ممتاز مكّنه من احتلال المرتبة الأولى على مستوى نواكشوط.
وخلال دراسته الابتدائية والإعدادية، كانت الساحة الطلابية تشهد تنافسا بين حركتي الكادحين والبعثيين، المعارضتين لنظام الرئيس الراحل المختار ولد داداه، فيما شكلت المدارس حاضنة رئيسية لهاتين الحركتين.
ورغم نفوذ الحركتين في الوسط المدرسي واستقطابهما عددا من المدرسين والطلاب، فإن ولد فايدة لم يكن مهتما بالسياسة أو النشاط النضالي، إذ انحصرت اهتماماته في الدراسة وكرة القدم.
ويقول سيدي محمد: “لم أكن مسيسا ولا منخرطا في الحركات السياسية، بما فيها الكادحون، كنت فقط أركز على لعب كرة القدم والدراسة”.
الشغف بالجيش
وإن كان ولد فايدة لا يعبأ بالسياسة، فإن البزة العسكرية كانت تأسره؛ كان مفتونا بهيبة الجندي وانضباطه، يتابع تفاصيل الحياة العسكرية بإعجاب، ويرى في الزي العسكري رمزا للواجب والصرامة، في وقت لم تكن فيه دهاليز السياسة تثير اهتمامه بالقدر نفسه.
سمع أن قيادة الأركان فتحت باب التجنيد، فالتحق بها سنة 1977، فيما كانت حرب الصحراء في أوجها وموريتانيا تبحث عن مجندين لسد حاجة الجبهة. لم يتردد سيدي محمد، فشغفه القديم بالبزة العسكرية وجد أخيرا طريقه إلى الواقع، وكأن الجندي الذي يسكنه كان ينتظر تلك اللحظة.
تلقى المجند تدريبا مكثفا وشاقا على حمل السلاح والانضباط في المدرسة العسكرية بالعاصمة نواكشوط.
وبعد أسبوع طويل وشاق، مُنح طلاب المدرسة العسكرية عطلة نهاية الأسبوع. كان ذلك يوم الخميس، فعاد سيدي محمد إلى منزله وخلع البزة، متهيئا للراحة، لكنه سرعان ما سمع دوي الانفجارات وسقوط القذائف، فعاد وارتدى بزته العسكرية، وركب سيارته متجها إلى قيادة الأركان.
وصل إليها، فكانت تشهد فوضى عارمة، والجنود في حالة ذعر لا يعرفون ما الذي عليهم القيام به. ومع وصول قائد الأركان أحمد ولد بوسيف، صدرت الأوامر بفتح مخازن السلاح، وتم توزيع الجنود إلى فرق، أوكلت لكل منها مهام محددة، فيما كان سيدي محمد فايدة ضمن فرقة كُلّفت بصد الهجوم عن القصر الرئاسي.
ويقول ولد فايدة إن الجيش تمكن من صد الهجوم ومطاردة مقاتلي البوليساريو، لتكون هذه أول عملية عسكرية يخوضها وهو طالب في المدرسة العسكرية.
في قلب المعارك
تخرّج من المدرسة العسكرية، وتنقل بين النواحي العسكرية في اترارزة، ثم في الحوض الشرقي، حيث شهدت باسكنو هجوما من طرف البوليساريو، لكنه لم يشارك فيه، قبل أن يُكلّف لاحقا بقيادة كتيبة متمركزة في المدينة.
انتقل بعدها إلى واحدة من أكثر الساحات القتالية ضراوة، إلى آوسرد، التي كانت تُصنَّف آنذاك من بين الأخطر، نظرا لوقوعها في المنطقة التي كانت تعدها البوليساريو جزءا من “دولتها المفترضة”.
ويقول ولد فايدة إن الجيش الموريتاني، بفضل طائرات “جاغوار” الفرنسية وتسليح الجنود بأسلحة متطورة في تلك المرحلة، تمكن من تكبيد البوليساريو خسائر كبيرة والتصدي لمعظم الهجمات.
وأضاف أن التعاون الفرنسي الموريتاني سنة 1977، إلى جانب المساعدات المالية الخليجية، رجّح كفة الجيش الموريتاني، وهو ما تعكسه ثلاث معارك وصفها بـ“الحاسمة”، وهي وادي الخروب وأم زكزاك وبئر العيد.
ويرى ولد فايدة أنهم تفاجؤوا بانقلاب 10 يوليو 1978، وبالسردية التي قدّمها قادة الانقلاب بشأن أن الجيش كان يخسر الحرب، مشيرا إلى أن الوقائع الميدانية تفند ذلك، إذ كانت المؤشرات العسكرية، بحسبه، تظهر أن البوليساريو كانت تتجه نحو خسارة الحرب.
ووقّعت اللجنة العسكرية لاحقا اتفاق وقف إطلاق النار وانسحبت من الصحراء، وهي خطوة لم ترق لعدد من قادة الجيش والجنود، واعتبروها “مؤلمة”، لأن موريتانيا، في تلك المرحلة، كانت في موقع قوة، وفق رواية ولد فايدة.
اختبار إنساني
انتقل سيدي محمد إلى قيادة كتيبة في “اجريدة” مع تولي ولد هيداله السلطة، وهي مرحلة كان خلالها شاهدا على التحقيق مع قادة المحاولة الانقلابية وسجنهم عقب أحداث 16 مارس 1981.
كُلِّفت الكتيبة التي كان يقودها الضابط ولد فايدة بتولي حراسة مجموعة من المشاركين في المحاولة، الذين كان من بينهم أحمد سالم ولد سيدي ومحمد ولد عبد القادر المعروف بـ“كادير”. وقد وصلوا إلى “اجريدة” في حالة يُرثى لها، مكبّلين ومعصوبي الأعين، وقد بدا عليهم الإرهاق الشديد.
قال ولد فايدة إن وضع قادة المحاولة، ومن بينهم أحمد سالم ولد سيدي الذي كان أول قائد له بعد التحاقه بالجيش، أثار فيه كثيرا من الأسى.
وأضاف أنه قام بتوفير ظروف إقامة أفضل لهم داخل غرفة مفروشة، ومنحهم بعض مستلزمات النظافة، كما سمح بإدخال الصحف والطعام والشراب، مشددا على أنهم كانوا في وضع إنساني جيد.
غير أن أحد القادة تفاجأ، عند فتح نافذة الغرفة التي كانوا يُحتجزون فيها، بما اعتبره “وضعا مريحا”، فغضب واستدعى سيدي محمد فايدة ووبخه على طريقة تعامله مع قادة المحاولة الانقلابية، متهما إياهم بـ“سفك دماء الأبرياء”.
ويقول ولد فايدة إنه ردّ بأنه لن يقبل بإهانة السجناء طالما هو المسؤول عن حراستهم، رافضا تغيير نهجه في التعامل معهم.
وقد أُحيل المتهمون في المحاولة إلى المحاكمة، وصدر بحقهم حكم بالإعدام رميا بالرصاص، وهو الحكم الذي يقول ولد فايدة إنه لم يُبدِ فيهم خوفا أو هلعا.
كما طلب أحمد سالم ولد سيدي من ولد فايدة إيصال رسالة أخيرة إلى عائلته، وهو ما استجاب له، حيث كُتبت الرسالة على غطاء السيارة الأمامي، وكُلّف ضابط يثق به بتسليمها والعودة قبل الفجر حتى لا يثير أي شبهات.
ويضيف ولد فايدة أن تعاطيه مع هذا الملف، وعدم مضايقته للموقوفين على خلفية المحاولة، كلفه منعه من اجتياز امتحان داخلي في الجيش، كما نُقل لاحقا للعمل في عدة مناطق عسكرية في الشرق والشمال.
انقلاب 1987
بعد فترة من العمل في المدرسة العسكرية في أطار، أُعيد سيدي محمد إلى “اجريدة” سنة 1986 خلال حكم العقيد معاوية ولد سيد أحمد ولد الطايع، قبل أن يحاول ضباط من الزنوج تنفيذ انقلاب عسكري بعد ذلك بعام.
كان ولد فايدة حاضرا خلال التحقيقات مع الضالعين في المحاولة، وكان من بينهم زملاء له في المدرسة العسكرية، ما جعل مشهد اقتيادهم إلى السجن في “اجريدة” ذا أثر بالغ عليه.
وأكد ولد فايدة، في شهادته ضمن بودكاست “مبتدأ”، أن الموقوفين اعترفوا بأنهم كانوا يخططون لتنفيذ انقلاب وصفه بـ“الدموي”، مشيرا إلى أن أحد الضباط وشى بالمخطط وأبلغ القيادة، وهو ما اعتبره “خطيرا وكان من شأنه أن يهدد كيان الدولة”.
وقال العقيد المتقاعد إن المتهمين أُعدموا رميا بالرصاص تنفيذا لمنطوق الحكم الصادر بحقهم، على غرار ما جرى في محاولة 16 مارس 1981 في “اجريدة”.
محاولة فرسان التغيير
عُيّن ولد فايدة قائدا لكتيبة “بابابي” سنة 1998، وتتكون من أربع سرايا، تضم كل واحدة منها نحو 120 جنديا.
ويُعدّ من العسكريين الذين ساهموا في إحباط المحاولة الانقلابية التي نفذها لاحقا من عُرفوا بـ“فرسان التغيير”، رغم أنه كان حينها يقود كتيبة في بابابي.
وقال ولد فايدة في شهادته إنه عند الساعة الرابعة فجرا أبلغه أحد مساعديه بأنه سمع عبر الإذاعة حديثا عن وقف إطلاق النار في العاصمة نواكشوط، فقام بإجراء اتصالات بعدة قادة دون أن يتلقى أي معلومة مؤكدة، سواء بالنفي أو التأكيد.
وعند الساعة السادسة فجرا، استمع إلى نشرة إذاعة فرنسا الدولية، التي أذاعت خبرا يفيد بأن “سكان العاصمة نواكشوط استيقظوا على دوي إطلاق نار في الساعات الأولى من صباح اليوم”.
وكان الوضع يكتنفه الغموض، فيما كانت المعلومات شحيحة عمّا يجري في العاصمة، فقرر ولد فايدة تحريك كتيبته باتجاه نواكشوط، غير أن عوائق لوجستية حالت دون ذلك، من بينها نقص الوقود، إذ كان ما لديهم من المازوت قد نفد.
وبعد تمكنهم من شراء 400 لتر من المازوت، تم توزيعها بين السيارات، على أن تُستكمل عملية التزويد في محطة للوقود في بوگي، وهو ما تم رغم امتناع العامل في البداية عن التعبئة دون إذن الوالي أو الحاكم.
وتحركت الكتيبة باتجاه العاصمة نواكشوط عبر طريق الأمل، الذي كان يشهد حركة كثيفة للسيارات القادمة من نواكشوط، في ظل نزوح آلاف السكان يوم المحاولة الانقلابية في 10 يونيو 2003.
ودخلت كتيبة ولد فايدة العاصمة، واتجهت إلى مسرح المواجهات التي كانت تتمركز في وسط المدينة، حيث توجد قيادة الجيش والدرك والحرس، إضافة إلى القصر الرئاسي.
توقفت الكتيبة عند مقر الحماية المدنية، حيث أعطى ولد فايدة الأوامر لقسم من السرايا بقيادة أحد الضباط بالتوجه نحو القصر الرئاسي، فيما قاد النصف الآخر باتجاه قيادة أركان الجيش.
والتقى بوحدات من الجيش بالقرب من المسجد العتيق، من بينها وحدة يقودها محمد ازناكي، كما التحق بهم أعل ولد محمد فال الذي كان يشغل حينها منصب المدير العام للأمن الوطني، في وقت كانت تُسمع فيه أصوات الرصاص ودوي الانفجارات.
وقال ولد فايدة إن الوضع كان معقدا ويكتنفه الغموض، في ظل غياب معلومات دقيقة حول الانقلابيين، ما دفعه إلى القيام بجولة استطلاعية في محيط قيادتي أركان الدرك والجيش.
ونفّذ الجولة الاستطلاعية بنفسه على متن سيارته، رفقة بعض مساعديه، وسلك الطريق المؤدي إلى بوابة الدرك، حيث جرى توجيه مدفع دبابة نحو سيارته وإطلاق قذيفة كادت أن تصيبه، ما اضطره إلى العودة إلى النقطة التي كانت تتمركز فيها وحدات الجيش.
واقترح ولد فايدة تنفيذ هجوم قبل غروب الشمس، أو الانتظار إلى مطلع الفجر لبدئه، مشيرا إلى أن الهجوم ليلا كان صعبا نظرا لامتلاك الانقلابيين دبابات قادرة على الرؤية الليلية والمناورة العسكرية.
واتُّفق في النهاية على بدء الهجوم فجرا، وهو ما تم وفق خطة محكمة مكنت من استعادة السيطرة على قيادة أركان الجيش والدرك، ومطاردة عدد من الانقلابيين الذين فروا، بحسب رواية ولد فايدة.

وقال إنه كان أول من دخل مكتب قائد الأركان العامة للجيوش محمد أنجيان، حيث وجده مضرجا بدمائه على مقعده، ممسكا بسماعة الهاتف، فيما كانت قذيفة قد اخترقت جدار المكتب.
وخرج إلى زملائه من القادة وأبلغهم أن ما حدث يُعد “فضيحة”، بسبب مقتل القائد منذ يومين دون أن يُعلم أحد بذلك أو يتحرك لمعرفة مصيره.
أُحبطت المحاولة الانقلابية، وعقد الرئيس معاوية ولد سيد أحمد ولد الطايع اجتماعا مع قادة الجيش لتشخيص الوضع ومعالجة الإخفاق الاستخباراتي.
وخلال الاجتماع، أخذ سيدي محمد ولد فايدة الكلمة، فكان “قاسيا” في انتقاداته للوضعية التي آلت إليها المؤسسة العسكرية.
وقال: “سيد الرئيس، هذه المحاولة كانت متوقعة في ظل نسيان ضباط الجيش لمهامهم الأساسية، وابتعادهم عن جنودهم والتدريب والاحتكاك بهم، وانشغال بعضهم بممارسة التجارة، وهو ما حصدنا نتائجه هذه الأيام”.
ولم يلقَ حديث ولد فايدة ارتياح عدد من الضباط الحاضرين، فيما لم تصدر عن الرئيس الأسبق أي ردة فعل أو تعليق مباشر على ما قاله.
تمويه وانقلاب
هزّت المحاولة الانقلابية أركان نظام ولد الطايع، وزاد من حدتها تصاعد الأزمة السياسية الناتجة عن سجن سياسيين ونشطاء، كما عمّقها هجوم القاعدة على لمغيطي عام 2005، الذي أسفر عن استشهاد 17 جنديا.
عبأت قيادة الأركان الوحدات العسكرية، ومن بينها كتيبة “اجريدة” التي كان يقودها سيدي محمد ولد فايدة، وطلب منه إرسالها إلى لمغيطي لمواجهة القاعدة.
عارض ولد فايدة إرسال الكتيبة، ورأى أن تعبئة عسكرية لمواجهة ثلاث سيارات تقل مجموعة من تنظيم القاعدة “لا يستقيم”، لكن الأوامر كانت صارمة، فجهز الكتيبة وأعطى تعليماته لمساعده بعدم تلقي الأوامر إلا عبره، فيما طلبت منه القيادة البقاء في موقعه.
وقال ولد فايدة إن القيادة منحته عطلة لمدة عشرة أيام، فاستغلها للسفر مع والدته إلى إحدى البوادي في ولاية لبراكنه، بينما كان بعض الضباط يخططون لمحاولة انقلابية على الرئيس معاوية ولد سيد أحمد ولد الطايع.
وبالصدفة، شاهد عبر التلفزيون خبر وفاة العاهل السعودي فهد بن عبد العزيز آل سعود، وأن ولد الطايع سيتوجه إلى الرياض للتعزية، فقرر قطع عطلته والعودة إلى نواكشوط.
وأوضح أن سفر الرئيس، في وقت لم تكن فيه أي قوة عسكرية كبيرة داخل العاصمة بعد إرسال الوحدات إلى لمغيطي، أثار لديه شكوكًا وهواجس عسكرية، وقد تبين لاحقا أنها كانت في محلها.
وتفاجأ ولد فايدة، في ساعات متأخرة من يوم 3 أغسطس 2003، بوحدات من الحرس الرئاسي تحيط بمنزله وتقتحمه، ما أثار حالة من الذعر لدى أسرته.
وعند خروجه، وجد في الممر كلا من الرئيس الحالي محمد ولد الشيخ الغزواني والرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز، حيث تم اقتياده إلى قصر المؤتمرات ووضعه رهن الاعتقال مع قادة أمنيين، بينهم قائد الأركان العربي ولد جدين.
تقاعد مبكر
وأُفرج عنه بعد شهر بموجب عفو رئاسي صادر عن الرئيس أعل ولد محمد فال، ثم أُحيل إلى التقاعد بعد مسيرة عسكرية استمرت نحو 30 عاما، رغم أن أمامه تسع سنوات إضافية قبل بلوغ السن القانونية للتقاعد.
أُعيد توقيف ولد فايدة بعد ذلك بعام، إثر مداهمة الشرطة السرية لمنزله وتفتيشه قبل اقتياده إلى مفوضية الشرطة في تفرغ زينة رقم 2. وخضع لتحقيقات تتعلق باتهامه بتلقي أموال بهدف التخطيط لإفشال تعديل دستوري والمشاركة في التحضير لانقلاب، وهي تهم نفى صحتها بشكل كامل.
وبعد أن تبيّن خلال التحقيق ما وصف بـ“زيف” المعلومات، أُطلق سراحه. لاحقا، التقى الرئيس أعل ولد محمد فال وشرح له ظروف توقيفه، معبرا عن ما اعتبره تعرضه للظلم بعد تسريحه من الجيش دون مبررات واضحة.
ووفق روايته، طلب من الرئيس تمويل مشروع بناء فندق في مدينة أطار، في ظل توجه الحكومة الانتقالية حينها إلى دعم قطاع السياحة، فحوّله إلى وزير الاقتصاد الذي التقاه، غير أن الملف لم يشهد تقدما. وعاد لاحقا إلى الرئيس، بناء على نصيحة من الوزير الذي أبلغه أن المشروع يحتاج إلى تمويل من مستثمرين وقد يستغرق وقتا طويلا.
كما التقى ولد محمد فال مجددا، الذي وجّهه بدوره إلى القرض الزراعي، غير أن طلبه لم يُستجب له، إذ واجه مماطلة دون الحصول على قرض ميسر، في وقت كان وضعه المالي صعبا.
هذا الوضع دفعه لاحقا إلى الهجرة إلى الولايات المتحدة، حيث عمل هناك لمدة عام، قبل أن يعود نظرا لصعوبات الهجرة والعمل في تلك المرحلة العمرية.
ينخرط ولد فايدة في رابطة قدامى محاربي الصحراء، حيث يضع ضمن أولوياته أوضاع الجنود الذين شاركوا في الحرب، مؤكدا أن ظروف هذه الفئة ما تزال صعبة ومزرية، وتشمل معوقين وأرامل وأيتاما.
ويطالب العقيد المتقاعد بلفتة رسمية تجاه هذه الفئة التي “تعيش أوضاعا صعبة وتحتاج إلى انتشال من براثن الفقر”، على حد تعبيره.











