يتنقل المقاتل بين الموسيقى في سيارته، يبحث عن أغنية تشبهه وتشبه بلده الذي غادره وقد لا يعود إليه؛ الحنين والشوق إلى أسرته وبيته، والقلق من الحاضر والمستقبل، كلها تدفعه إلى الهروب نحو الموسيقى بحثا عن الخلاص، فيما يجول نظره في سفانا على متن سيارة رباعية الدفع تطوي صحراء أزواد، ضمن قافلة عسكرية تمشط المنطقة بحثا عن عناصر من جماعة نصرة الإسلام والمسلمين أو جبهة تحرير أزواد.
كان هذا المشهد جزءا من مقطع فيديو مدته أربع وعشرون ثانية بثه فيلق أفريقيا على حسابه في “إكس”، إذ كثف نشاطه على المنصة منذ هجمات السبت 25 أبريل الماضي.
وفي السابع من يونيو، أنهى الفيلق عامه الأول في مالي، بعد حل مجموعة فاغنر وإعلان إنهاء مهمتها، ليحل محلها الفيلق المعروف باسم “أفريكا كورب” التابع لوزارة الدفاع الروسية.
كان الفيلق يستعد للاحتفاء بمرور عام على بدء مهامه في مالي، واستعراض ما يعدّه انتصارات ومساهمات في ما يسميه “تطهير الأراضي من الجماعات المسلحة”، إلا أن ذلك تبخر فجر السبت 25 أبريل على وقع هجوم منسق نفذته جماعة نصرة الإسلام والمسلمين وحليفتها جبهة تحرير أزواد.
ووجهت هذه الجماعات المسلحة ضربة قوية للجيش المالي وحليفه فيلق أفريقيا، خاصة بعد سقوط كيدال في يد المسلحين، ما أرغمه على الانسحاب عقب معارك عنيفة دارت يومي 25 و26 أبريل.
فلاش باك
جاء الهجوم بعد أيام من انتقال المسؤوليات الأمنية إلى فيلق أفريقيا، الذي حل محل مجموعة فاغنر الروسية. وكانت فاغنر قد أعلنت إنهاء مهمتها في مالي، قائلا إن العمليات التي نفذتها أسهمت في استعادة جميع عواصم الأقاليم ووضعها مجددا تحت سيطرة الحكومة المالية.
وخروج فاغنر حينها لم يكن يعني انسحاب روسيا، إذ جرى استبداله بفيلق أفريقيا. فقد كان الأمر مجرد تغيير في الأسماء، وترسيخ لوجود أكثر مؤسساتية في أفريقيا يتبع لموسكو.
وجاءت إعادة الهيكلة الشاملة عقب وفاة مؤسس المجموعة، يفغيني بريغوجين، في حادث تحطم طائرته عام 2023، بعد تمرده على موسكو، وهو ما دفع صناع القرار في الكرملين إلى مراجعة جميع عمليات المجموعة لضمان توافقها مع مصالح الدولة الروسية.

وبحسب تقارير إعلامية، يبلغ عدد مقاتلي “فيلق أفريقيا” نحو ستة آلاف عنصر، موزعين على النحو التالي: نحو ألفين في مالي، وأكثر من 1600 في جمهورية أفريقيا الوسطى، وما بين 100 و300 في بوركينا فاسو، وما بين 100 و200 في النيجر.
وأصدر الفيلق، بعد توليه مهامه في مالي، بيانا قال فيه إن “روسيا لا تفقد موطئ قدمها، بل تواصل دعم باماكو، الآن على مستوى أكثر عمقا واستراتيجية”.
وحل الصحراء
في ذلك الوقت، كان الجيش المالي يخوض معارك ضارية ضد الجماعات المسلحة التي تمكنت من ترميم صفوفها واستعادة زمام المبادرة الهجومية، وهو ما تجلى في الهجوم على معسكر بولكسي في يونيو من العام الماضي، بالتزامن مع بدء مهام الفيلق.
وأظهرت جماعة نصرة الإسلام والمسلمين، من خلال هذا الهجوم، انتقالها من تكتيكات حرب العصابات في المناطق الريفية إلى حملة تهدف إلى فرض السيطرة على المناطق المحيطة بالمراكز الحضرية وترسيخ نفوذ سياسي في مالي.
ورغم التحولات التي أعلنتها روسيا بشأن تدخلها في مالي عبر استحداث فيلق جديد يتبع لموسكو، فإن تصاعد الهجمات المسلحة خلال صيف العام الماضي أدى إلى تعرضه لنكسات في تينزواتن عام 2024، ثم في كيدال وتيساليت خلال أبريل الماضي.
ولم تعد الجماعات المسلحة تنشط فقط في شمال مالي، بل نقلت الحرب إلى وسط البلاد وجنوبها، ما وسّع بؤرة القتال وجعل مهمة الجيش وفيلق أفريقيا أكثر صعوبة.
وبحسب خبراء عسكريين، فقد الروس الغطاء الجوي الكافي لتأمين مسرح عمليات واسع، وهو ما كانت توفره فرنسا خلال عملياتها العسكرية.
ويتفق عدد من المحللين على أن خسائر فيلق أفريقيا في الأشهر الأخيرة تعود بالأساس إلى “ضعف الاستخبارات الميدانية، إذ لا يملك معلومات كافية عن تحركات المسلحين ونقاط تجمعهم”، وهي إمكانيات كانت تمتلكها الاستخبارات الفرنسية والأمريكية عندما كانت تنشط في مالي.
مفهوم الخسارة
ويقلل فيلق أفريقيا من أهمية سقوط كيدال في يد جبهة تحرير أزواد، إذ قال إنها لا تمثل نقطة استراتيجية حاسمة في الصراع الدائر في البلاد.
ولا يتبنى الروس الرأي القائل إن السيطرة على المدينة تعني امتلاك مفاتيح التحكم في شمال مالي، إذ لا تعد، بحسبهم، “مركزا لوجستيا رئيسيا، ولا تتحكم في طرق النقل الحيوية أو المعابر الحدودية”.
ويشرح الفيلق، في بيان نشره، أن “أهمية كيدال تاريخية وسياسية بالأساس”، باعتبارها كانت سابقا إحدى بؤر التمرد في منطقة أدرار إيفوغاس، أكثر من كونها موقعا ذا قيمة عسكرية مباشرة.

يُنظَر إلى بيان فيلق أفريقيا، الذي صدر بعد 22 يوما من سقوط المدينة، على أنه محاولة لتخفيف وطأة خيبة أمل السلطات الانتقالية في باماكو، والضغط الإعلامي الناتج عن فشل الرهان عليه في إعادة بسط السيطرة على كامل التراب المالي وتطهيره مما تصفه باماكو بـ”الإرهابيين”.
وهذا ما أشار إليه بالقول إن “التركيز الإعلامي على المدينة يهدف إلى إحداث تأثير نفسي وإعلامي، ودفع السلطات في باماكو إلى اتخاذ قرارات عسكرية انفعالية”، على حد وصفه، بما قد يؤدي إلى استنزاف القوات في بيئة صحراوية واسعة.
وجاء رد الفيلق على المطالبات باستعادة المدينة، وحالة التذمر في أوساط الرأي العام، بالتأكيد على أن أي تحرك عسكري في المنطقة يجب أن يأخذ في الاعتبار طبيعة التضاريس الصحراوية الواسعة وخطر الكمائن، مشيرا إلى أن “استدراج القوات إلى عمق الصحراء” يبقى أحد أكثر السيناريوهات خطورة في العمليات الجارية.
وتبقى هناك ترجيحات بأن سقوط كيدال وتساليت قد يدفع القوات الروسية إلى تنفيذ انسحاب تكتيكي من عدة مناطق في شمال مالي، في وقت باتت تركز فيه على تأمين المدن الكبرى وطرق الإمداد إلى باماكو، بالتزامن مع تصاعد محاولات جماعة نصرة الإسلام والمسلمين فرض حصار على هذه الطرق وخنقها اقتصاديا.











