ياسين عبد القادر الزوي
حين قرر الرئيس السنغالي السابق ماكي صال الترشح للأمانة العامة للأمم المتحدة، كان بذلك يعيد المنظمة الدولية إلى الحضن الأفريقي، ويحيي تطلعات أفريقيا نحو ضحور يليق بها في المحافل الدولية.
قبل الحديث عن هذا الترشح، لا بد أن نُذكر بأن الأفارقة ليسوا غرباء على منصب الأمين العام للأمم المتحدة، بل إنهم فازوا به مرتين طيلة تاريخ المنظمة العتيدة، فمن أصل ثمانية أمناء عامين، منذ تأسيس الأمم المتحدة عقب الحرب الكونية الثانية 1945، وصلت شخصيتان إفريقيتان إلى الأمانة العامة للأمم المتحدة.
كان بطرس بطرس غالي، الدبلوماسي المصري الشهير، أول أفريقي يقود الأمم المتحدة خلال الفترة 1992-1996، ليخلفه في المنصب السياسي الغاني المعروف كوفي عنان، الذي تربع على عرش الأمانة العامة لمأموريتين متتاليتين من 1997 وحتى 2006.
أي أن أفريقيا ظلت تقود الأمم المتحدة لأربعة عشر عامًا، وهو ما يمنحها حصة معتبرة من تاريخ وإرث المنظمة، لذا فهي ليست غريبة على دهاليز القرار الأممي، بل إنها جزء أصيل لا يمكن تجاهله أو نكران دوره.
بناء على ذلك، يأتي ترشح السياسي الكبير والرئيس السابق للسنغال ماكي صال، ليحمل رمزية خاصة في رد الاعتبار للدور الإفريقي في المنظمة الأممية، وربما خطوة نحو التأسيس لدور أفريقي أعظم في خطط إعادة الاعتبار للمنظمة التي تمر بسنوات عصيبة تكاد تعصف بها وتنتزع منها الثقة.
إن مرشح أفريقيا هذه المرة، يستند إلى خلفية سياسية عميقة، وهو القادم من السنغال، إحدى أهم الدول المحورية في منطقة غرب إفريقيا، لها رمزية دينية وروحية في محيطها الإقليمي، هذا عدا عن رمزيتها الديمقراطية في شبه المنطقة، حيث تعد الدولة الأفريقية الوحيدة التي لم تعرف أي محاولة انقلابية منذ استقلالها.
هكذا أصبحت دولة السنغال ترمزُ للاستقرار السياسي، منذ عهد الأديب والكاتب والشاعر ليبولد سيدار سنغور، أولُ رئيس يحكم السنغال، الذي تحمل هو وجيله من النخبة، مهمة بناء دولة صمدت أمام تحديات وظروف معقدة أعقبت الاستقلال. ينتمي ماكي صال للجيل الذي ورث الدولة من جيل سينغور.
من هذه الدولة المستقرة، التي باتت نموذجا مشرفا للقارة السمراء، يأتي ماكي صال ليقدم ملفه مرشحًا فوق العادة ومنافسًا قويا على منصب الأمين العام للأمم المتحدة، مسنودا بتاريخ باهر وتجربة سياسية وتنفيذية ملهمة، تنوعت وتدرجت من القاعدة إلى قمة رئاسة الدولة لمدة إثنى عشر عاما، نقل فيها السنغال من دولة رغم استقرارها ظلت فقيرة ومتواضعة تنمويا، وحين غادرها كانت قد أصبحت دولة منتجة للنفط والغاز، وتعد أحد أهم مراكز جذب الاستثمار في غرب أفريقيا.

وإذا كان بطرس غالي وكوفي عنان قد تولوا إدارة الأمم المتحدة في لحظة ما بعد الحرب الباردة، وبالتزامن مع أفول قرن ودخول قرنٍ جديد، فإن ماكي صال يقدم نفسه لقيادة المنظمة الأممية في لحظة حاسمة من التاريخ، حيث يمر العالم بأزمات عميقة ونزاعات مسلحة قد تقود إلى حرب عالمية، وتوجه واضح نحو تعدد الأقطاب.
إن ما يمر به العالم اليوم في غاية الخطورة، حيث بدأ الناس يفقدون الثقة في الديمقراطية، وفي النظام العالمي القائم منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية، كل هذا مع ظروف اقتصادية تزداد صعوبة، ومناخ يتغير بسرعة ينذر بنهاية الكوكب واختفاء دول، وصراع يلوح في الأفق على الماء والغذاء والدواء.
ولكن ماكي صال يقول وهو يدرك حجم التحدي: “تواجه الأمم المتحدة نفسها، التي يتمثل دورها في صون الأمن والسلام ودعم التنمية، تزايدا في عدم الثقة بها”. وهكذا يتضح أن ماكي صال يمتلك رؤية لا تقف فقط عند فهم أوضاع العالم وحلحلة مشاكله، بل إنه يقدم مقاربة شاملة للإصلاح تبدأ بالمنظمة نفسها ووكالاتها وشركائها.
ترتكز استراتيجية صال على محاور منها: رؤية متكاملة للسلام والأمن والتنمية والرخاء المشترك، وتجديد وتنشيط تعددية الأطراف، ثم تعزيز حوكمة الأمم المتحدة.
وبحسب المؤشرات المتوفرة، فإن حظوظ إفريقيا كبيرة، في العودة إلى إدارة المنظمة الأممية، إذ أعربت دول وازنة وأخرى دائمة العضوية، وتكتلات مهمة من مختلف القارات، عن دعمها للرئيس ماكي صال، ما يجعل فرصته في الفوز في السباق الأممي شبه مضمونة.
من المفارقات أن ترشح ماكي صال لمنصب الأمين العام للأمم المتحدة، لم يأتي من دولته (السنغال) كما هو الحال عادة مع بقية المترشحين، بل تم الدفع به من طرف جمهورية بوروندي التي تتولى الرئاسة الدورية للاتحاد الإفريقي، ما أعطى زخما هائلا لهذا الترشح الذي بات يتجاوز طموح دولة إلى إرادة قارة لا تقبل لنفسها إلا ما يتناسب مع إمكانياتها ودورها على الساحة الدولية.
وبالرغم من ذلك، فإن السنغال بدأت تظهر سعادتها بترشح رئيسها السابق واستعدادها للانخراط في كل الجهود الداعمة والمساندة لحملته الانتخابية.. فهل يكون الرئيس السنغالي ماكي صال هو الأمين العام العاشر للأمم المتحدة؟
ذلك ما ستجيب عليه تطورات السباق الانتخابي لأعلى هيئة دولية في العالم.









