في يوم من أيام ربيع عام 2018، وبينما كنت عائداً للتو من إجازة،زرت عميد الكلية التي كنت أدرّس فيها بمكتبه لألقي عليه التحية، فهو صديق عزيز ورجل ودود مثقف ضليع في القانون، خاصة ما يتعلق بالقانون التجاري، لكنه فاجأني بسؤال عن الوضع في البلاد، فأردت التعاطي معه بطريقة تعفيني من الحديث عن تفاصيل لا أريد الخوض فيها، خاصة أن الحالة العامة عندنا لا تسر صديقاً، ويعز عليّ محاولة تبريرها، أحرى أمام شخص أعرف مداركه ونمط تفكيره. وفي الوقت نفسه، لا أريد الإسهام في تعريتها أمام الجميع، فتلك مهمة سهلة لها متطوعون كثر يقومون بها بنية حسنة أو بغيرها.
للخروج من الموقف، رويت لمحدّثي حواراً عفوياً دار بيني وأحد الإخوة ممن يهتمون بالسياسة في البلاد ويتعاطونها، وما أكثر المهتمين بها. حين سألني ذلك الأخ عن نظرة المغتربين للفعل السياسي المحلي وكيفية سير الأمور في الدولة قلت له مازحاً ومتخلصاً أيضاً من سؤاله، إن الأمر الأهم بالنسبة لي شخصياً أن يحتفظوا لنا هم – معشر السياسيين – بـ”شيء من الدولة” نأخذ فيه إجازاتنا السنوية بشكل مريح ولو نسبياً.
رويتُ للعميد ذلك الحديث العابر تعليقاً على سؤاله، لكنه فاجأني مرة أخرى حينما قال مبتسماً، ما معناه: “القدر الذي يؤمّن لكم إجازة مريحة هو الأصل التجاري، وبالتالي لن يفرّط فيه أصحاب السلطة، إذ لن يجدوا ما يستغلونه إذا ضاع”. والأصل التجاري، كما هو معلوم، عبارة عن مجموعة من العناصر المادية والمعنوية يُخصصها التاجر لممارسة نشاطه بهدف جذب الزبائن والاحتفاظ بهم.
استرسل محدّثي في الكلام حول النخبة الموريتانية التي تعرّف على جماعات منها عن قرب في فرنسا، حيث عاش معظم حياته قبل أن ينتقل للتدريس في الشرق الأوسط. تحدث عن التناقض الصارخ بين تفوق الطلاب الموريتانيين أثناء الدراسة في الخارج، والمخرجات المتواضعة فيما يتعلق ببناء دولة مؤسسات توفر حداً معقولاً من جودة الخدمات.
كما تحدث عن الموارد التي يرى هو أنها ضخمة مقارنة بحاجيات البلاد، وعن التنمية المفقودة، وذكر تناقضات ومفارقات كثيرة لديّ تفسير منطقي لبعضها، وبعضها لا يمكن تفسيره ضمن أطر المنطق، وفي المجمل لا أهتم بتبريرها، ولا أرتاح كثيراً عند الحديث عن بعضها الآخر، إذ أجدني معنياً بها بشكل أو بآخر. فالكل، في نظري، يتحمل جزءاً، وإن قلّ، من المسؤولية عما آلت وتؤول إليه الأمور، ثم التحقتُ بقاعة المحاضرات حيث ينتظر الطلاب.
في السنوات اللاحقة لم تغب فكرة “الأصل التجاري” هذه عن ذهني، فقد كانت تراودني دائماً، وكنت أتمثلها وأنا أشاهد الوضع العام يسوء سنة بعد سنة، وزيارة بعد أخرى. وحتى القطاعات التي يخال المرء أنها شهدت تحسناً في بعض المراحل، سرعان ما ترتكس فتعود خطوات إلى الخلف إن وجدت فيه متسعاً.
لا يتسع المجال للحديث عن كل مشاهد القصور والارتكاس في الحياة العامة عندنا، فأينما يمّمت وجدت مظاهر المعاناة والبؤس،وهذا ليس جديداً، لكنه تفاحش ويتفاحش مع الوقت جراء أزمات الصحة والتعليموالغلاء والكهرباء، وصولاً إلى أزمة الصرف الصحي المفقود، وما تفضي إليه من تفاقم آثار أمطار الخريف التي تحوّل عاصمتنا كل عام إلى مدينة منكوبة مهانة ذليلة، لا تصلح إلا لإقامة الضفادع، تتدثر بالظلام وكأنها تستحي من الغرباء ومن أبنائها العائدين في موسم الاستجمام، وذلك في زمن انحسر فيه حياء المجتمع، ولم يعد للحياء موطئ قدم في النقاش العام.
ولا تقف مظاهر القصور عند هذا الحد، بل تمتد إلى آليات انتقاء النخب الأكاديمية والبيروقراطية والمهنية، أي إلى المسابقات التي أصبح جلّها يفرز – إلى جانب “الناجحين” – عدداً أكبر من المحتجين المطالبين بإلغاء نتائجها، على خلفية الخروقات المتكررة التي تشهدها. وليس الأمر كله اعتباطاً، ولا مجرد طمع في سراب التوظيف، فبعض المطالب مشروعة، وغياب الكفاءة في إدارة بعض المسابقات لا تخطئه العين. ومما يزيد هذه المفارقة إيلاماً أن المتسابقين يمثلون صفوة البلد المتعلمة، التي يفترض أن تكون موضع تقدير، لا أن تجد نفسها في مواقف متكررة تضطر فيها إلى الاحتجاج والتشكيك في نزاهة الاستحقاقات التي تتنافس عليها؛ وهو ما ينطوي على إهانة، ويكشف جانباً آخر من جوانب الخلل في واقع البلاد.
هذا الوضع انعكس بشكل ملموس على مصداقية الدولة، وبالتبعية،على مدى ثقة الناس فيها وإيمانهم بها ككيان فعّال يسهر على المصالح العامة ويعلي من شأنها. وهنا تكمن الخطورة، فالمصداقية والثقة عنصران مهمان في بنية الدولة، لا يتداعيان فجأة، لكنهما يتآكلان مع استمرار الأزمات دون حلول جذرية، وتراكم المظالم دون البت فيها والوقوف على حقيقتها. وعندما تغيب المصداقية وتنعدم الثقة، تسقط هيبة الدولة من أعين الناس، وحينها – لا سمح الله – قد نفقد “الأصل التجاري” فيغرق المركب بكل من فيه، ولا يبقى مستغِلّ ولا مستغَلّ.
هذه الحقائق – وهي غيض من فيض – تستدعي إعادة ضبط البوصلة، والبحث عن معالجات هيكلية للأزمات المزمنة، وتوجيه الجهود في الاتجاه الصحيح قبل فوات الأوان. ولا ينبغي أن تحجب خطورة هذه الاختلالات المظاهرُ الاحتفالية الصاخبة التي تصاحب تعيين المسؤولين، بل أحيانا ترافق “إقالتهم” من مناصبهم وتلك مفارقة أخرى تستحق التأمل.
ذِكْرُ هذه الحقائق والمفارقات هنا أبعد ما يكون عن تقصّد نكء الجراح، كما أنه لا يعكس شعوراً بتفوق أخلاقي، بل هو استشعار للمسؤولية الملقاة على عاتق كل أبناء البلد في الحفاظ على “الأصل التجاري” الذي إن ضاع فلن يكون لنا أصل آخر نركن إليه. ولايجمل بنا حينها تقمص دور المحلل المحايد للأحداث، ولن يجدينا تدافع المسؤولية وتحميلها للمؤسسة الفلانية أو المسؤول الفلاني؛ فمصير الدولة مسؤولية مشتركة.
الدكتور أبوبكر حامدن
باحث في المركز الدولي للدراسات الإستراتيجية











