نواكشوط | خاص (صحراء ميديا)
تواجه الحكومة الموريتانية ضغوطاً متصاعدة لمعالجة ملف دعم المحروقات، في ظل ارتفاع أسعار الطاقة عالمياً وتزايد العبء على الميزانية العامة، وسط مخاوف من انعكاسات أي تغيير محتمل على القدرة الشرائية للمواطنين.
وقال الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، خلال اجتماع مع رؤساء أحزاب سياسية مساء الخميس، إن دعم المحروقات “مكلف ولا يمكن أن يستمر كحل دائم”، في إشارة إلى تزايد العبء الذي يمثله هذا الدعم على الميزانية العامة.
أرقام مرتفعة وضغط متصاعد
تشير بيانات رسمية إلى أن كلفة دعم المحروقات قد تصل إلى نحو 168 مليار أوقية قديمة، أي ما يقارب 13% من ميزانية الدولة، في وقت تتحمل فيه الحكومة دعماً يناهز 310 أوقية لكل لتر مازوت، وأكثر من 6000 أوقية لقنينة الغاز المنزلية.

وفي مسعى لفهم رؤية الحكومة بشكل أدق، تواصلت “صحراء ميديا” مع مستشار وزير الطاقة والنفط المكلف بالتعاون والاتصال، الذي أكد أن دعم المحروقات شهد ارتفاعاً وصفه بـ«المذهل»، مشيراً إلى أنه بلغ خلال الأشهر الثلاثة الأولى من العام الجاري نحو 17 مليار أوقية قديمة، كجزء من الكلفة السنوية للدعم، وكانت غالبيتها خلال شهر مارس، أي بعد اندلاع الحرب في الشرق الأوسط.
وأضاف أنه في حال استمرار الأزمة على حالها ومواصلة ارتفاع الأسعار الدولية للمحروقات، فإن الدعم قد يرتفع إلى نحو 180 مليار أوقية قديمة، أي ما يمثل نحو 13% من ميزانية الدولة، معتبراً أن هذا المستوى “غير المقبول” قد يؤدي إلى اختلال التوازن الاقتصادي.
وأوضح أن هذا الدعم يشكل عبئاً كبيراً على الميزانية العامة، مؤكداً أن الدولة تجد نفسها أمام خيارين: إما توجيه الموارد نحو التنمية والمشاريع والبنية التحتية، أو الاستمرار في تمويل دعم المحروقات.
وأشار إلى أن بعض الدول ألغت الدعم منذ مدة، واتخذت خلال الأزمة الحالية إجراءات تقشفية، من بينها وقف إنارة الشوارع وخفض ساعات العمل، لافتاً إلى أن موريتانيا كانت من بين أقل الدول فرضاً لمثل هذه القيود.
ولتقريب الصورة، أوضح أنه مقابل كل 5000 أوقية قديمة من الديزل يقتنيها المواطن، تتحمل الميزانية نحو 3000 أوقية، مشيراً إلى أن الوزارة تعتمد آلية دورية لمراجعة أسعار المحروقات بشكل شهري، وأن الزيادة الأخيرة في سعر المازوت كانت طفيفة، مقابل تراجع في سعر البنزين.
وفي ما يتعلق بالغاز المنزلي، قال إن الغلاف المالي لدعمه قد يصل خلال الفصل الأول من السنة إلى نحو 45 مليار أوقية قديمة، مضيفاً أن الدولة تدفع نحو 6000 أوقية مقابل كل قنينة غاز من فئة 12 كلغ.
وأكد أن هناك برمجة شهرية تضمن استيراد الكميات اللازمة لتلبية الاستهلاك المحلي، وذلك رداً على ما أُثير بشأن محدودية المخزون.
قراءة تحليلية
وفي هذا السياق، قال المحلل الاقتصادي الحسين ولد محمد عمر، في تصريح لـ”صحراء ميديا”، إن دعم المحروقات ظل لسنوات محل ضغط من مؤسسات التمويل الدولية، خاصة صندوق النقد الدولي، في إطار برامج التمويل، مضيفاً أن الأزمة الحالية أظهرت بوضوح كلفته المرتفعة التي تتراوح بين 10 و13% من الميزانية، وهو ما يدفع نحو التوجه لتخصيصه بشكل أكبر.
ويرى أن الخيار الأكثر واقعية أمام الحكومة هو الاستمرار في الدعم مع الشروع في رفعه تدريجياً، محذراً من أن رفعه دفعة واحدة قد يؤدي إلى موجة تضخم وغلاء “غير محتملة”، قد تنعكس في اضطرابات اجتماعية، مؤكداً أن تقليل أثر أي إصلاح على القدرة الشرائية يمر عبر التدرج في رفع الدعم، إلى جانب اعتماد سياسات فعالة لاستهداف الفئات الهشة، رغم التحديات المرتبطة بدقة تحديد المستفيدين، مشيراً إلى أن الآثار النفسية لارتفاع الأسعار قد تكون أحياناً أشد من أثرها المادي.
ويضيف أن من بين السيناريوهات الأكثر أماناً ضبط السوق لمنع المضاربات ومحاربة الاحتكار، معتبراً أن صغر حجم السوق الموريتاني قد يساعد على ذلك إذا توفرت الإرادة، إلى جانب تجنب الرفع المتتالي والسريع للأسعار، لافتاً إلى أن نسبة 13% من الميزانية الموجهة للدعم تمثل مستوى مرتفعاً، رغم صعوبة المقارنة مع دول الجوار لاختلاف السياقات، في وقت تتجه فيه العديد من الدول إلى تقليص دعم المحروقات لتخفيف الضغط على موازناتها.
مخاوف في الشارع

في المقابل، يثير أي حديث عن مراجعة الدعم قلقاً في الشارع، نظراً لارتباط أسعار النقل والمواد الأساسية بكلفة الوقود. ويقول أحمد، وهو سائق سيارة أجرة في نواكشوط، إن أي زيادة في أسعار المحروقات “ستنعكس فوراً على تسعيرة النقل”، مضيفاً أن دخله اليومي “لم يعد يكفي لتغطية المصاريف”.
ويقول طلال، وهو صاحب مطعم تونسي في نواكشوط، إنه يعمل في مجال تسيير المطاعم منذ فترة، وإن أي زيادة في أسعار المحروقات أو رفع الدعم عنها ستؤثر على نشاطهم بشكل مباشر، مضيفاً أنهم “يتضررون بالفعل، لكنهم يحاولون الموازنة بين تقديم أسعار تناسب الزبائن والحفاظ على استمرارية العمل”، مشيراً إلى أنهم مروا بتجارب مماثلة في السابق.
في ظل هذه المعطيات، تبدو الحكومة أمام خيارات محدودة؛ بين الاستمرار في تحمل كلفة الدعم أو التوجه نحو إصلاحات تدريجية، في محاولة لتحقيق توازن بين استدامة الميزانية العامة والحفاظ على الاستقرار الاجتماعي، وهو ما يجعل ملف المحروقات أحد أبرز التحديات الاقتصادية المطروحة حالياً في البلاد.











