الشيخ ولد السالك – صحفي موريتاني
ليست موريتانيا دولةً هامِشِيَّةً على بساط الجغرافيا، ولا رقمًا صغيرًا في معادلات الإقليم. إنها بلدٌ له أهميته الخاصة في المنطقة، وبوابةٌ فريدة تصل الوطن العربي بعمقه الإفريقي، وتمنح الساحل والصحراء معنى التوازن حين يختلّ ميزان الجوار. ومن هنا، فإن الحرص على موريتانيا مستقرةً وآمنةً ليس شأنًا داخليًا فحسب، بل هو جزءٌ من صميم الأمن القومي العربي والدولي، ومصلحةٌ إقليميةٌ ودوليةٌ لا تخفى قيمتها على أحد.
ولعلّ زيارة الدولة الأخيرة للرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني إلى فرنسا في منتصف نيسان/أبريل جاءت أبلغَ دليل على مكانة موريتانيا المتصاعدة، وعلى ما يحظى به الرجل من احترامٍ في دوائر القرار الدولي. فالزيارة جرت في ظرف دولي بالغ الحساسية، وسط توترات متعاظمة في الشرق الأوسط، وتعقيدات متزايدة في فضاء الساحل، ومع ذلك اختارت فرنسا أن تمنح موريتانيا هذا المستوى الرفيع من الاستقبال السياسي، بما يكشف أن موريتانيا تعتبر اليوم شريكًا استراتيجيًا موثوقًا، وأن غزواني ربما بات آخر الأصدقاء في منطقة الساحل.
ومن يتأمل مسار الرجل منذ مأموريته الأولى يدرك أن ما تحقق لم يكن وليد ظروف سهلة، بل جاء في وجه العواصف. فقد تزامنت بدايات حكمه مع جائحة كورونا، وهي محنة أربكت اقتصادات العالم وأضعفت دولًا راسخة البنيان، غير أن موريتانيا استطاعت أن تعبر تلك المرحلة بأقل الخسائر الممكنة، محافظةً على تماسك الدولة واستمرار الخدمات وحد كبير من السكينة الاجتماعية. ثم جاءت المأمورية الثانية في سياق إقليمي ودولي أشدّ تعقيدًا، مع تصاعد الأزمات الأمنية في الساحل واحتدام التوترات في الشرق الأوسط، هذا بالإضافة إلى أن الرئيس غزواني استلم مقاليد الحكم من الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز والبلد في وضعية مزرية على جميع المستويات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية.
موريتانيا ليست دولة هامشية بل بوابة استراتيجية تربط الوطن العربي بعمقه الإفريقي، وتمنح الساحل والصحراء توازناً ضرورياً للأمن الإقليمي والدولي.
وفي الداخل، لا يمكن الحديث عن تجربة غزواني من دون التوقف عند البعد الاجتماعي الذي ميّز عهده. فقد مضت الدولة في توسيع شبكات الحماية الاجتماعية، وتعزيز السلم الاجتماعي، ومكافحة الفقر وتطوير برامج الدعم الموجهة للفئات الهشة، وكان لـصندوق التآزر الذي أسسه غزواني في بداية حكمه حضور بارز في هذا المسار بما قام به من دور في إيصال العون إلى الطبقات الفقيرة والأكثر هشاشة، فضلًا عن الإسهام في تحسين البنى التحتية والخدمات الاجتماعية. والمؤسسات الدولية نفسها تتحدث عن تنامٍ واضح في مقاربة الحماية الاجتماعية في موريتانيا، وعن دور صندوق تآزر في إدارة برامج الأمان الاجتماعي وتوسيع أثرها.
ومن وجهة نظري كان ملف التأمين الصحي، لطبقة كبيرة من المواطنين انجاز تميز به غزواني عن جميع من سبقه من رؤساء البلد حيث برز توجهٌ جاد نحو التغطية الصحية الشاملة، بما يجعل الرعاية الصحية حقًا أوسع لا امتيازًا أضيق. وليس المقصود هنا عقد مقارنةٍ حرفيةٍ مع تجربة “أوباما كير” الأميركية، فالسياقات مختلفة، ولكن يمكن القول إن ما جرى في موريتانيا يسير في الفكرة نفسها: توسيع المظلّة الصحية، وتخفيف عبء العلاج عن الفئات الأضعف، وتحويل الصحة من عبءٍ اجتماعي إلى التزامٍ وطني. وقد أكدت الرئاسة الموريتانية التمسك بهذا الهدف، كما تشير مؤسسات دولية معنية بالصحة إلى أن البلاد تعمل على بناء منظومةٍ أوسع للولوج إلى الخدمات الأساسية.
وفي ميدان التعليم، ورغم ما يواجهه القطاع من صعوباتٍ متراكمة تتصل بالبنية التحتية، ونقص الموارد، وتحديات الجودة والإنصاف بين مختلف المناطق، فإن الإنصاف يقتضي الإقرار بأن هذا الملف عرف بدوره حضورًا متزايدًا في السنوات الأخيرة. فقد برزت تجربة المدرسة الجمهورية بوصفها محاولةً جدية لترسيخ قيم المساواة والاندماج الوطني، وتخفيف الفوارق داخل المنظومة التربوية، وهي تجربة تستحق الإشادة من حيث الرؤية والأهداف، حتى وإن كانت لا تزال بحاجة إلى مزيد من الدعم والتطوير حتى تؤتي ثمارها كاملة. كما أن التوسع في إنشاء الجامعات والمعاهد ومؤسسات التكوين العالي والمهني يعكس إدراكًا متناميًا لأهمية الاستثمار في الإنسان، وضرورة تسليح الشباب بالعلم والتأهيل لمواجهة متطلبات العصر وسوق العمل، لأن بناء الدولة لا يقوم على الأمن وحده، بل على مدرسةٍ قوية، وجامعةٍ فاعلة، وتكوينٍ مهنيٍّ يفتح أبواب المستقبل.
أما في المجال الأمني، فالرجل القادم من خلفية عسكرية كان له دور كبير في صناعة الاستقرار الأمني في موريتانيا وقد تزايد ذلك الدور خلال فترة الرئيس السابق ولد عبد العزيز حيث تركزت مهمة غزواني في بناء الجيش وتمكينه وتسليحه كما كان الرجل الأول في مكافحة الارهاب وأشرف على جميع الجهود في هذا الشأن ويرى البعض أن الرئيس غزواني حصل على الثقة الدولية خلال هذه الفترة حيث نسج علاقات واسعة مع شركاء موريتانيا في مكافحة الإرهاب خصوصا حلف الناتو ودول الخليج وعلى رأسهم السعودية ودولة الإمارات ولم تتوقف جهوده عند موريتانيا بل ساعد جميع دول الساحل في جلب تمويلات كبيرة كانت العون الأساسي لهم في مكافحة الإرهاب وقد أثمرت تلك الجهود عن نجاح موريتانيا في الحفاظ على الاستقرار، رغم أن حدودها الشرقية والجنوبية الشرقية تجاور فضاءً ملتهبًا، خصوصًا مع مالي، حيث تتفاقم التهديدات المسلحة ويتسع نشاط الجماعات المتطرفة. التقارير الدولية لا تخفي خطورة الوضع في تلك المناطق، وبعضها يشير صراحةً إلى ارتفاع المخاطر على تخوم الحدود مع مالي، لكن حماية الحدود بالنسبة لموريتانيا كانت سياسة دولة ويقظة مؤسسات. وفي منطقةٍ تتداعى فيها دولٌ تحت ضغط الإرهاب والانفلات، استطاعت نواكشوط أن تقدّم نموذجًا مختلفًا في الصرامة الأمنية والحذر الاستباقي والتمسك بسيادة الدولة.
منذ توليه الحكم واجه غزواني الأزمات بصلابة فوسع الحماية الاجتماعية وعزز الاستقرار الأمني وأطلق إصلاحات في التعليم والصحة مانحاً موريتانيا نموذجاً مختلفاً.
ومما يحسب لولد الغزواني أنه لم يكتفِ بإدارة الدولة من زاوية الأمن، بل سعى إلى ترميم المجال الوطني من الداخل. فموريتانيا التي عانت طويلًا من الحساسيات الاجتماعية، ومن آثار التفاوت والطبقي، ومن تراكمات التاريخ القبلية الثقيلة، تحتاج إلى خطاب جامع أكثر من حاجتها إلى صخب المزايدات. ولهذا اكتسب حديث الوفاق الداخلي في عهده معنى خاصًا، لأنه اقترن بمحاولات تهدئة المناخ العام، وفتح المجال أمام مقاربة أقل توترًا وأكثر ميلًا إلى التهدئة والاحتواء. وما تزال ملفات التمييز والتراتبية الاجتماعية مطروحة بقوة في النقاش الوطني، لكن الجديد أن الدولة باتت تُظهر إرادةً أكبر في مقاربتها تشريعيًا وسياسيًا، وسط دعوات مستمرة إلى حوارٍ أوسع وأكثر إنصافًا.
لا شك أن موريتانيا تعاني منذ عقود من الفساد ومن وجهة نظري أن الديمقراطية كرست ملف الفساد في البلاد حيث تبنى سياسيو الحزب الحاكم الذي تغير اسمه أكثر من مرة وبقي أغلب وجوهه تبنوا استراتيجية سرقة المال العام مقابل النفوذ الشعبي والحصول على قاعدة انتخابية ورغم أن الفساد من أخطر التحديات التي تواجه أي حكم في البلاد إلا أنه ليس من الإنصاف إنكار أن السنوات الأخيرة شهدت دفعًا أوضح في اتجاه الإصلاحات المرتبطة بالحكامة ومكافحة الفساد ومع ذلك لا يزال هذا الملف يحتاج الكثير من الجهد.
لقد نجح الرجل، بحنكته السياسية، في أن يكسب ودّ الداخل من جهة، واحترام الخارج من جهة أخرى. وهذه ليست مسألة علاقات عامة، بل ثمرةُ أسلوبٍ في الحكم قائم على التغيير الهادئ المتراكم، وعلى بعث الرسائل المطمئنة في محيطٍ لا يكاد يعرف الاطمئنان. ومن يعرف دوائر القرار في الخارج يدرك أن قادة العالم لا يمنحون ثقتهم بسهولة، ولا يفتحون أبواب الشراكة العميقة إلا لمن يرون فيه قدرًا من الجدية والاتزان والوضوح. وموريتانيا اليوم تستفيد من هذا الرصيد، لأنها تُقدَّم في الخارج باعتبارها دولة مسؤولة، ورئيسها رجل دولة يمكن الوثوق به في المنعطفات الصعبة.
ولهذا كله، فإن القول إن غزواني خيار آمن للشعب الموريتاني وللشركاء الدوليين ليس مبالغةً إنشائية، وإنما قراءةٌ سياسية لواقع السنوات الماضية.
إن مصلحة الشعب الموريتاني، كما مصلحة شركاء موريتانيا، تقتضي دعم هذا النهج في مواجهة التحديات المقبلة. وإذا كان التاريخ السياسي يُقاس بقدرة القائد على عبور الأزمات، فإن غزواني أثبت أنه رجل المرحلة التي تحتاجها موريتانيا: مرحلةُ الدولة الهادئة، والسيادة الرشيدة، والشراكة الموثوقة، والوفاق الداخلي. ومن هنا، فإن التمسك بهذا المسار ليس تمسكًا بشخصٍ في ذاته، بقدر ما هو تمسكٌ بخيار الاستقرار، وخيار الدولة، وخيار المستقبل.










