داكار: صحراء ميديا
في احتفال جمع بين السياسة والذاكرة الشخصية، أحيت السنغال، اليوم الخميس، الذكرى المئوية لميلاد الرئيس الأسبق عبد الله واد، أحد أبرز الوجوه التي طبعت الحياة السياسية في البلاد خلال العقود الأخيرة، في مناسبة تحولت إلى استحضار لمسار رجل قاد المعارضة لسنوات طويلة قبل أن ينجح في إحداث أول تداول سلمي على السلطة عبر صناديق الاقتراع عام 2000.
وشهد المسرح الوطني “دودو ندياي روز” في دكار مراسم رسمية حضرها مسؤولون وشخصيات سياسية من داخل السنغال وخارجها، تقدمهم الرئيس باسيرو ديوماي فاي، الذي خصص جزءا كبيرا من كلمته للحديث عن المسيرة السياسية الطويلة لواد، واصفاً إياه بأنه نموذج للإصرار والالتزام بالعمل الديمقراطي.
واستعاد فاي محطات بارزة من مسار الرئيس الأسبق، مشيراً إلى أن واد خاض أربع انتخابات رئاسية انتهت بالفشل قبل أن يصل إلى السلطة بعد أكثر من ربع قرن من النضال السياسي.

وقال فاي إن الرجل اعتاد، بعد كل هزيمة، إعادة بناء حزبه وتحالفاته والعودة مجدداً إلى الساحة السياسية، محولا الانتكاسات إلى محطات مهدت لانتصاره التاريخي.
وفي رسالة موجهة إلى الأجيال الشابة، اعتبر الرئيس السنغالي أن تجربة واد تجسد قيمة الصبر في العمل العام، مؤكداً أن التحولات السياسية الكبرى لا تتحقق عادة عبر المكاسب السريعة، بل عبر مسارات طويلة من المثابرة والتراكم.
ولم يقتصر التكريم على مسيرة واد السياسية فحسب، بل تناول أيضا طبيعة العلاقة التي ربطته بخصومه السياسيين.
واستحضر فاي علاقته بالرئيس الأسبق عبدو ضيوف، معتبراً أن انتقال السلطة عام 2000 شكل لحظة مفصلية في تاريخ البلاد، ورسخ صورة السنغال بوصفها إحدى أكثر الديمقراطيات استقراراً في القارة الأفريقية.
وقال إن تلك المرحلة أثبتت أن التنافس السياسي الحاد لا يحول دون احترام قواعد الجمهورية والاحتكام إلى إرادة الناخبين، وهي القيم التي يرى أنها أسهمت في ترسيخ التجربة الديمقراطية السنغالية.
وقبل كلمة الرئيس، قدمت سنديلي واد، ابنة الرئيس الأسبق، شهادة شخصية مزجت بين الخاص والعام، مستعيدة جوانب أقل ظهوراً من شخصية والدها الذي عرفه السنغاليون زعيماً سياسياً وقائداً للمعارضة لعقود طويلة.
وتوجهت بالشكر إلى السنغاليين على ما وصفته بالوفاء الذي رافق والدها خلال سنوات المعارضة ثم أثناء وجوده في الحكم، مؤكدة أن العائلة عاشت إلى جانب رجل لم تكن حياته ملكاً لعائلته وحدها، بل ارتبطت إلى حد كبير بالشأن العام وبمصير البلاد.

واستعادت ذكرى تعود إلى عام 1988، حين كان والدها معتقلاً في سجن ريبوس عقب أزمة سياسية أعقبت الانتخابات، مشيرة إلى رسالة بعث بها إليها آنذاك ظل مضمونها حاضرا في ذاكرتها رغم ضياعها مع مرور الزمن.
وقالت واد إن الرسالة تضمنت تفسيراً لمعنى التزامه السياسي وقناعته الراسخة بأن خدمة المواطنين كانت جوهر مشروعه العام.
كما أشادت ابنة الرئيس الأسبق برعاية الرئيس باسيرو ديوماي فاي للاحتفالات، معتبرة أن ذلك يعكس تقاليد الاحترام المؤسسي التي تميز الحياة السياسية في السنغال، ويعبر عن نضج التجربة الديمقراطية في البلاد.
وتخللت المناسبة عروض مصورة وشهادات تناولت البعد الأفريقي في فكر عبد الله واد، حيث سلط متحدثون الضوء على دعواته المتكررة إلى تعزيز التكامل بين الدول الأفريقية وبناء مؤسسات قارية أكثر فاعلية.
وفي ختام الاحتفال، دعا الرئيس السنغالي إلى صون الإرث الديمقراطي الذي خلفته الأجيال السياسية السابقة، مؤكداً أن الديمقراطية ليست مكسباً نهائياً بل مسؤولية جماعية تتطلب استمرار التزام المجتمع ومؤسساته بالحفاظ عليها وتطويرها.
ويظل عبد الله واد، الذي بلغ مئة عام، أحد أكثر الشخصيات تأثيرا في التاريخ السياسي الحديث للسنغال.
فقد قاد المعارضة الديمقراطية لسنوات طويلة قبل أن يصبح ثالث رئيس للجمهورية، متوليا السلطة بين عامي 2000 و2012، في مرحلة شهدت تحولات سياسية واقتصادية كبرى.










