كعادة كلّ يوم، تبدو شوارع العاصمة المالية باماكو، مفعمة بالحركة، درّاجات نارية في الشواع والأزقة، على غرار حركة السيارات، والمارّة على الأرصفة، غير أن المشهد العام في المدينة، لا يخلو من مظاهر أمنية، بعد هجوم السبت العنيف، الذي ضرب مراكز صنع القرار، وأسفر عن مقتل وزير الدفاع ساديو كامرا.
تحجب الغيوم ، أشعة الشمس، قليلا، ويتسلل غبار خفيف في الشوارع، فيما تشهد شوارع قلب العاصمة، زحمة السير المعتادة، كلّ يوم، بينما تشهد المناطق المالية الأخرى تصعيدا أمنيا مستمرة، خاصة في الشمال، والوسط.
وأعلنت السلطات حدادا لمدة يومين، على إثر رحيل الرجل الثاني في المجلس الانتقالي، ورغم الشحوب الذي يطغى على المدينة، لم تتأثر حيوية صباح الاثنين 27 إبريل 2026، فأسواق المدينة تضجّ بزحام المدنيين، على إيقاع “الكورا” المنبعث من بعض المحلاّت بشكل هادئ.
في حيّ البلدية الأولى بالعاصمة المالية، استعد سليمان مختار جابي، للخروج باكرا كعادة كلّ يوم، إلى مقرّ عمله، “بلا قلق” أو “هاجس أمني” يساوره، رغم الأحداث الأخيرة، التي شهدها هذا البلد الإفريقي السبت الماضي.

درس سليمان في عاصمة بلده، وهو خريح جامعة بماكو _ قسم الأدب والحضارة، ويؤكد لصحراء ميديا، أن الأوضاع مستقرة جدا، في العاصمة، وأن السكان يمارسون مهامهم بشكل طبيعي.
ويقول في تصريح خاص: نؤكد للعالم أن الجيش قد سيطر على الوضع بسرعة عقب تلك الهجمات الإرهابية؛ وأن الأمور الآن مستقرة وتحت السيطرة، كما نطمئن الجميع بأن الحياة تسير بصورة طبيعة؛ وأن الجهات المختصة تواصل جهودها الحثيثة لضمان الأمن والاستقرار..”
إغلاق المحاور الطرقية

ورغم عودة الهدوء إلى العاصمة، أغلقت السلطات عدة محاور طرقية رئيسية، كإجراء احترارزي أمني، كما فرضت حظرا للتجول في الليل، ودعت المواطنيين، إلى الهدوء والتزام بالتعليمات.
في الحي القريب من الطريق المؤدي إلى مطار موديبو كيتا، اضطر الصحفي مصطفى سانغريه، إلى الذهاب للعمل عبر طريق آخر، بسبب إغلاق العناصر الأمنية، للطرق المؤدية إلى المطار، مشيدا بردة فعل القوات المسلحة رغم ما وصفه بالاختراق الأمني الكبير للجماعات المسلحة.
ويقول في تصريح لصحراء ميديا: “ولا شك أن هذه الهجمات تكشف عن اختراق أمني خطير، غير أن تحركات الجيش تعكس في المقابل رسالة واضحة مفادها أن هذا الوضع ليس قدراً محتوماً، وأن المؤسسة العسكرية قادرة على تحمل مسؤولياتها، واستعادة زمام المبادرة، والعمل على تأمين المواطنين وممتلكاتهم، إلى جانب حماية مؤسسات الدولة والقواعد العسكرية.” وأضاف: “وقد بدأت ملامح عودة الحياة إلى مجراها الطبيعي منذ مساء السبت، حين أحكم الجيش سيطرته على المحاور الطرقية الرئيسية. وبعيداً عن هذه المحاور، بدأت مظاهر الحياة العادية في الظهور تدريجياً، خاصة في المناطق البعيدة عن قلب العاصمة.”
وأوضح أن الجيش، يسعى ” إلى توجيه رسالة مزدوجة إلى الرأي العام المحلي والخارجي، مفادها أنه ما زال قادراً على إدارة الوضع، واحتواء التحديات الأمنية الراهنة.
طمأنة من خارج الحدود
في غضون ذلك، أثار غياب أبرز أعضاء الحكومة الانتقالية عن الظهور بعد الهجمات، جدلا كبيرا خاصة غياب الرئيس المرحلة الانتقالية، آسيمي غويتا، الذي يحكم البلاد من 2021، في أعقاب انقلاب عسكري.
في المقابل، ظهر رئيس الوزراء الجنرال عبد الله مايغا أمس الأحد، في احتفالات الافتتاح الرسمي لجناح “كولوبا” التابع لرئاسة فاسو، والمقام داخل دار الثقافة المطران أنسيلم تيتيانما سانون بمدينة بوبو ديولاسو البوركينابية، رفقة نظيريه في بوركينا فاسو، والنيجر.

وحضر الحفل، أعضاء من حكومات دول كونفدرالية الساحل التي تضم مالي والنيجر وبوركينا فاسو، ووزراء مستشارين خاصين، وعدد من الضيوف البارزين، وظهر الوزير الأول، بملامح هادئة، يتحدى خلالها الانزلاق الأمني الأخير بحسب مراقبين، وحوال من خلال طمأنة الماليين في الداخل والخارج، بأن الوضع تحت السيطرة، ولا يتطلب إلغاء أنشطة كانت مبرمجة سابقا.
وفي السياق، أدان تحالف دول الساحل الهجمات التي شهدتها مالي السبت، معتبرا أنها “مؤامرة” تهدف إلى زعزعة استقرار المنطقة وإفشال المسار السيادي للتحالف.
وقال رئيس التحالف النقيب إبراهيم تراوري، في بيان صادر من واغادوغو، إن تنسيق الهجمات والأهداف التي استهدفتها والأسلحة المستخدمة فيها “تؤكد أنها عمليات مخطط لها منذ فترة طويلة”، بهدف إلحاق خسائر بقوات الدفاع والأمن وبث الرعب بين المدنيين في دول التحالف الذي يضم مالي وبوركينا فاسو والنيجر.
وأضاف البيان أن “الاعتداءات الهمجية” تحمل “بصمات مؤامرة خطيرة” تدعمها أطراف وصفها بأنها “معادية لمسار تحرير الساحل”.











