تسعى فرنسا، التي تراجع نفوذها في مستعمراتها السابقة بغرب أفريقيا، إلى تعزيز حضورها في مناطق أخرى من القارة، عبر قمة أفريقية تستضيفها العاصمة الكينية نيروبي الأسبوع المقبل، في أول قمة من نوعها تعقد في دولة ناطقة بالإنجليزية.
ويأتي ذلك بينما يسعى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الذي يتبقى عام واحد على نهاية ولايته، إلى تقديم ما تصفه الرئاسة الفرنسية بـ”شراكة متجددة” مع أفريقيا، وفق ما قاله أحد مستشاري قصر الإليزيه للصحفيين.
ومن المقرر أن يشارك في قمة يومي الاثنين والثلاثاء رؤساء دول، ومسؤولون تنفيذيون، ورؤساء بنوك تنمية متعددة الأطراف، في وقت تواجه فيه فرنسا تراجعا متكررا في مناطق كانت لعقود ضمن نطاق نفوذها السياسي والعسكري.
وعرفت الساحل منذ عام 2020 سلسلة انقلابات عسكرية أوصلت إلى السلطة ضباطا جدد قاموا بطرد القوات الفرنسية واستدعاء عناصر من شركات عسكرية روسية.
كما أنهت فرنسا في يوليو الماضي وجودها في آخر قاعدة عسكرية كبرى لها في السنغال، بعد أن اعتبر الرئيس السنغالي بصيرو جوماي فاي المتوقع حضوره القمة، أن القواعد الفرنسية لا تتماشى مع سيادة بلاده.
وقالت بيفرلي أوتشينغ، المحللة البارزة في شركة “كونترول ريسكس” والمقيمة في السنغال، إن ما يجري “يبدو أشبه بإعادة تموضع لطريقة حضور فرنسا في القارة”.
وأضافت أن باريس “تبتعد تدريجيا عن بعض شركائها التقليديين في المستعمرات السابقة والشركاء الأمنيين، باتجاه دول ترتبط بها بعلاقات ذات طابع مختلف وبصمة ثقافية أوسع”.
وتعهد ماكرون منذ وصوله إلى السلطة عام 2017 بإنهاء ما يعرف بـ”فرانس أفريك”، وهو مصطلح يشير إلى العلاقات غير الرسمية والمعقدة بين فرنسا ومستعمراتها السابقة، والتي ارتبطت في فترات سابقة بدعم باريس لأنظمة استبدادية، إلى جانب توسيع الانفتاح على القارة الأفريقية.
وقال ألان أنتيل، رئيس برنامج أفريقيا جنوب الصحراء في المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية، إن هذا التحول شمل محاولات لتخفيف التوترات التاريخية مع دول مثل رواندا والجزائر، إلى جانب تعزيز التواصل مع المجتمع المدني الأفريقي وقيادات الشباب.
وفي موازاة ذلك، سعت باريس إلى توسيع علاقاتها الاقتصادية، إذ ارتفعت وارداتها من أفريقيا بنحو 25 بالمئة بين عامي 2021 و2024، وفقا لبيانات مركز التجارة الدولية.
وفي عام 2024، وقعت فرنسا ونيجيريا اتفاقا استثماريا بقيمة 300 مليون يورو لدعم مشاريع البنية التحتية والرعاية الصحية والنقل والطاقة المتجددة في أكبر دولة أفريقية من حيث عدد السكان.
ومن المتوقع أن تتركز أجندة ماكرون خلال زيارته المرتبطة بالقمة على تعزيز الاستثمارات، خصوصا في مجالات الطاقة النظيفة والذكاء الاصطناعي والتعليم، كما سيزور مصر وإثيوبيا على هامش القمة.
كما عززت الحكومة الفرنسية تعاونها الأمني مع شركاء غير تقليديين، من بينهم كينيا، التي وقعت معها في أكتوبر تشرين الأول الماضي اتفاقا دفاعيا لتعزيز التعاون في مجالات تبادل المعلومات الاستخباراتية والأمن البحري وعمليات حفظ السلام.
لكن فرنسا تواجه في المقابل انتكاسات بارزة في بعض الدول، حيث استفادت قوى أخرى مثل الصين ودول الخليج من استثماراتها الضخمة وعلاقاتها الممتدة لتعزيز نفوذها.
وفي كينيا، أنهت حكومة الرئيس ويليام روتو العام الماضي عقدا مع تحالف تقوده شركة “فينشي” الفرنسية لمشروع توسعة طريق سريع بقيمة 1.5 مليار دولار، وأحالت المشروع إلى شركات صينية، بعد أن قالت السلطات إن الشروط كانت تنطوي على مخاطر مالية مرتفعة.
ويعتزم روتو، الذي يشارك في استضافة القمة، التركيز على الدفع نحو إصلاح النظام المالي العالمي بما يخفف العبء عن الدول الأفريقية المثقلة بالديون، حيث أعلنت فرنسا دعمها لهذا التوجه.











