أعلنت الحكومة ليلة أمس حزمة من الإجراءات الاستثنائية، كان أبرزها حظر تنقل السيارات داخل المدن بعد منتصف الليل.
هذا القرار الذي صدر عن مجلس الوزراء وأعلنه الناطق باسم الحكومة، يثير تساؤلات جوهرية حول مدى دستوريته، خاصة في ظل النص الصريح للمادة 10 من الدستور:
“تضمن الدولة لكافة المواطنين الحريات العمومية والفردية… وعلى وجه الخصوص حرية التنقل…”
– أولاً: ماذا تنص المادة 10 من الدستور؟
المادة 10 من الدستور الموريتاني تُعتبر حجر الزاوية في حماية الحريات العامة. فهي تنص على أن الدولة تضمن للمواطنين حريات محددة، من بينها:
* حرية التنقل والإقامة في جميع أجزاء تراب الجمهورية
ثم تأتي الجملة الأهم، وهي الضمانة الدستورية الكبرى:
“لا تقيد الحرية إلا بقانون.”
هذه العبارة ليست مجرد توصية، بل هي قيد دستوري ملزم للسلطة التنفيذية. فكلمة “قانون” في هذا السياق تعني:
* القانون بالمعنى العضوي: أي النص الذي يصدر عن البرلمان (الجمعية الوطنية)
* وليس أي قرار إداري أو حكومي أو وزاري.
– ثانياً: القرار الحكومي وحرية التنقل
قرار حظر تنقل السيارات بعد منتصف الليل يتعلق مباشرة بـ حرية التنقل، وهي حرية مذكورة صراحة في المادة 10. عندما تقرر الحكومة منع المواطنين من استخدام سياراتهم في فترة زمنية محددة، فإنها تمارس تقييدًا فعليًا لهذه الحرية.
* مصدر القرار: مجلس الوزراء (سلطة تنفيذية)
* السند القانوني: لا يوجد قانون سابق صادر عن البرلمان يجيز هذا التقييد.
ثالثاً: “لا تقيد الحرية إلا بقانون” – ماذا تعني في هذه الحالة؟
أ. التقيد بالسلطة التشريعية
العبارة الدستورية تعني أن البرلمان وحده هو المخول بتحديد الحالات التي يمكن فيها تقييد الحريات، والضوابط التي تحكم ذلك. لو أرادت الحكومة تقييد حرية التنقل، كان عليها أن:
* تستند إلى قانون قائم صادر عن البرلمان يسمح بذلك،
* أو تتقدم باقتراح قانون إلى البرلمان للحصول على التفويض.
لم يحدث أي من ذلك.
ب. حالة الطوارئ
لم يتم إعلان حالة الطوارئ، ولم تتبع أي من الإجراءات المنصوص عليها في القوانين المنظمة لذلك.
لا يمكن للحكومة أن تحتج بظروف استثنائية لتبرير تقييد الحريات دون سند تشريعي.
حتى في حالات الأزمات، يجب اللجوء إلى آليات الطوارئ المنصوص عليها دستوريًا.
القرار الحكومي بحظر تنقل السيارات بعد منتصف الليل، صدر دون سند قانوني، وفي غياب إعلان حالة الطوارئ وفق الإجراءات الدستورية، وهنا يكمن الخلل الدستوري: تقييد حرية التنقل بقرار حكومي، في وقت اشترط فيه الدستور أن يكون التقييد بقانون.
ليست القضية مجرد منع للسيارات ليلاً، بل هي قضية حدود سلطة الحكومة في تقييد الحريات في غياب التفويض التشريعي.
الشيخ باي يوسف/باحث بسلك الدكتوراة بجامعة عبد المالك السعدي تخصص القانون الدستوري











