بسم الله الرحمن الرحيم
موريتانيا أولاً
أصدق تحية وأكمل تقدير لبني وطني وللمهتمين بشأنه حقاً.
ما أنا بمعارض ولا بمُوالٍ لشخص أو نظام منذ انشقت عيناي فأبصرتا سماء ما طاولتها سماء وشرعت جوارحي تداعب ترابا هو من الذهب الخالص أثمن وأغلى.. سماء وطني مرصّعة بالمكارم والأمجاد، وترابه أعز مكان في الدنى.
موانعُ كثيرة منها عزة النفس أولاً، وحفظ اللسان ثانيا، والاعتبارات المهنية ثالثا، تقيّدني وتجعلني لا أنجرّ لكثير من النقاشات المحكومة سلفاً بانتماءات عرقية أو جهوية أو قبلية أو أيديولوجية، أو ذات صلة بما يزخر به فضاء الإنترنت وتطفح به وسائل التواصل الاجتماعي بما لها وما عليها.
مُقِلٌّ أنا في متابعة الأخبار وحركة الأفكار إلا من مصادرها، لكنني كغيري من المقلَين، تابعتُ ما رافق زيارة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني وأربعة قادة آخرين من القارة السمراء للولايات المتحدة، وما أثاره تعامل رئيسها دونالد ترمب معهم من ردود فعل خلال الأيام القليلة الماضية.
دِلاء كثيرة شاركت في ما أرى أنه افتعال وتعكير لمياه لا تصلح للاغتسال ولا للاصطياد.
ليعذرْني أصحاب تلك الآراء والسياط التي جُبلت على الجَلد بغض النظر عن الموضوع المطروق والشخص المجلود.. كأنّ المهمّ هو الجَلد والتحامل وهذا بعيد كل البعد عن أخلاقنا نحن الموريتانيين التي ليس لدينا أفضل منها ويجب ألا تجرمنّ أياً منا معارضتُه على ألاّ يعدل في القول والعمل.
إخوتي الأكارم أنا وأنتم جميعا مواطنون غيورون على مصلحة موريتانيا وصورتها في الداخل والخارج، ولا يهمّنا رئيس أو مرؤوس إلا بقدر ما ينال من هذه المصلحة أو يخدش تلك الصورة.
لا أشكّ في أن كثيرا ممن تصدَّوْا بالتحليل والتعليق على تلك الزيارة تحرّكهم الغيرة على الوطن والحمية لقادته. كما أن هناك قلّة قد تكون لهم دوافع أخرى، غير أن هؤلاء وأولئك من عائلتنا الكبيرة وينبغي أن نخلص في التشخيص والعلاج وألا “ننشر غسيلنا” للملإ ونجعل الغرباء أول من ينهشون لحومنا.
كنت أتابع منذ أيام هذا النقاش الساخن وأرى أنه أمر مقبول في إطار تعلّمنا للديمقراطية وحرية الرأي والتعبير، غير أنني قرأت اليوم مقالا باللغة الفرنسية لكاتب جزائري أو مواطن جزائري يدعى “الشرفاوي محمد” قيل إنه كتبه لصحيفة Le Matin d’Algerie ( أو صباح الجزائر) وانتقد فيه على نحو لاذع جدا رئيس الجمهورية الإسلامية الموريتانية. أنا لا علاقة لي بهذا الرئيس أو أي رئيس قبله، ولا تربطني بأي وزير ولا مدير أي علاقة قربى، لكنهم قادة موريتانيا وواجهتها ولا أرى أن هذا “الشرفاوي” كان سيقسو على رئيس بلاده أو حتى على عمدة بلديته بهذا الشكل. لا أقول إنه يمثل الجزائر أو الجزائريين الذين تربطنا بهم عُرى وثيقة وعلاقات لا تُنسى، لكنني لم أر موريتانياً واحدا ينتقد الرئيس الجزائري أو التونسي أو الليبي أو العاهل المغربي رغم ما يمكن أن يقال عنهم وما يمكن أن يؤخذ أو يردّ من سياساتهم؛ ببساطة لأن ذلك شأنهم وشأن بلدانهم ومواطنيها. نعم، العالم أصبح غرفة صغيرة ولم يعد قرية صغيرة كما كان يقال قبل عقود، وهو يتجه إلى التقارب أكبر فأكثر.
اللغة الفرنسية التي يكتب بها السيد الشرفاوي والتي تحدّث بها الرئيس الموريتاني أسالت هي الأخرى سيلا من الحبر “المغشوش”. لماذا أقول ذلك؟ لأنّ من تناولوا هذا الجانب لم يضعوا في الاعتبار أن الرئيس ولد الشيخ الغزواني لم يكن يتحدث في البرلمان الموريتاني ولا في قمة للجامعة العربية أو الاتحاد الإفريقي ولا في أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة. في هذه المحافل جدير به أن يلقي خطاباته أو يتدخل باللغة العربية، لكن يجب أن نفهم جميعا أن البيت الأبيض أمر مختلف. لماذا؟ لأن الرئيس الأمريكي الحالي رجل ذو طباع خاصة ومعاملته للغزواني ورفاقه الأفارقة، هي نفسها التي يواجه بها أيضا قادة أوروبيين، ولا يعني ذلك أنها سليمة وجديرة برئيس دولة عظمى كالولايات المتحدة الأمريكية.
من يريد أن ينتقد ما جرى عليه أن يسدد سهامه لترمب لا لضيوفه.
صحيح أنه كان بإمكانهم، من حيث المبدأ، أن يلبّوا الدعوة أو يرفضوها؛ لكن قد تكون لذلك تبعات أخرى. هل نحن راضون عن تعامل القادة العرب الذين يزورون ترمب أو يزورهم؟ من سَلِمَ من معاملات الرئيس الأمريكي التي لا تراعي أعرافاً ولا بروتوكولات؟
وحتى من الناحية اللوجستية، مَن قال لهؤلاء المنتقدين، والنقد في حد ذاته يمكن أن يكون ظاهرة صحية، إن في البيت الأبيض مترجمين باللغة العربية؟ وهل إذا ذهبتُ أنا أو أنت إلى سوق أو محفل، سنشترط على أصحابه وجود مترجمين باللغة العربية؟
ثمة أيضا سؤال يسكنني منذ الأزل.. لماذا نتعلّم اللغة العربية أو الإنكليزية أو الفرنسية أو الإسبانية أو الصينية أو منطق الطير، إذا لم نكن سنستخدم ذلك عند الحاجة؟ بالتالي، ما المانع من حديث ولد الغزواني بالفرنسية؟ اللغة محايدة وليست نجِسِة والعبرة بالمضمون.
أزعم أنني مطّلع بعض الشيء على “لغة الجسد” وأرى أن حركات الرئيس الموريتاني كانت تلفتني أو لنقل “تعجبني” لأنّ الجمود هو السكون وهو الموت ولا يمتّ إلى وسائل التخاطب العصرية بأي صلة.
أمّا من يرون أنه كان على الرؤساء الأفارقة أن يحتجّوا على البروتوكول الأمريكي الذي جعلهم يقفون “كالتلاميذ”، كما قيل، خلف الرئيس ترمب، فكان الأحرى بهم أن يتوجّهوا بذلك إلى الجانب الأمريكي، ولعل ما فعله ولد الغزواني والذين معه، أخفّ الضرريْن؛ فعندما تقع في مأزق، عليك التصرف على الوجه الذي لا يكبّدك كثيرا من الخسائر المعنوية. وأذكّر هؤلاء الأحبّة بقول الشاعر:
وإن بُليتَ بشخص لا خَلاقَ له ==== فكُن كأنّك لم تسمعْ ولا يقُلِ.
ختاماً أقول لنفسي ولمواطنيّ الأعزاء وهم قطعاً أوسع ثقافة مني وأكثر اطلاعا على كثير من شؤون الحياة وشجونها، إنّ أي رئيس أو وزير أو سفير أو أي عضو في وفد يسافر إلى الخارج، يصبح هو الوطن ويجب أن ندعمه ونعليَّ من شأنه، لا أن نسعى للنيل منه وتحطيمه، فهذا لا يفيد أحدا.
وعِوَض الجدل الذي أثارته زيارة الرئيس للولايات المتحدة، كان الأوْلى في نظري، أن يقف الجميع وقفة رجل واحد في وجه ما أشيع عن محادثات ترمي إلى التطبيع بين بلادنا وإسرائيل وقد لا نجانب الصواب إذا قلنا إنّ كثيرين يدفعوننا إليه وهذا هو الخطأ الحقيقي الذي نسأل الله أن يجنّب بلادنا الوقوع فيه. بمثل هذا الرفض، نحصّن سياستنا الخارجية ونحول دون تكرار خطيئة أواخر التسعينات التي لا مبرر لها وتحكمها، في أحسن الأحوال، ظروف غير الظروف الراهنة.
والله من وراء القصد.
“رجل من أقصى المدينة”.
13-7-2025











