«إن جوهر القيادة يقوم على خمسة أركان: المعرفة، والحكمة، وبعد النظر، والشرف، والشجاعة.»
— ونستون تشرشل
ليست مكانة الدول في العالم انعكاساً لحجمها وحده، ولا ثمرة لما تملكه من ثروات وإمكانات فحسب؛ فكثيراً ما تصنع شخصية القائد، بقدر ما تصنعه موارد الدولة، الفارق بين بلد يعيش على هامش الأحداث، وبلد يجد لنفسه مكاناً في قلبها.
فالقائد الكبير لا يدير الحاضر فقط؛ إنه يقرأ ما وراءه، ويستشرف ما بعده. ولا يكتفي بإدارة علاقات بلده كما هي، بل يعمل على إعادة صياغة موقعها في محيطها، وبناء جسور الثقة مع الآخرين، وتحويل الاحترام الذي تحظى به الدولة إلى رصيد سياسي ودبلوماسي قابل للاستثمار.
وفي السياسة الدولية، حيث لا تكفي القوة وحدها لصناعة النفوذ، تصبح الحكمة وبعد النظر وحسن تقدير المواقف من أهم أدوات الدولة. فالدول لا تكسب أصدقاءها بكثرة الخطابات، ولا تحافظ على مكانتها برفع سقف المواقف، وإنما تبني نفوذها، في كثير من الأحيان، بقدرتها على أن تكون موثوقة حين تتعقد الحسابات، ومتزنة حين يشتد الاستقطاب، وقادرة على رؤية المصالح البعيدة حين ينشغل الآخرون بضغوط اللحظة.
ومن هذه الزاوية تحديداً يمكن قراءة التحول الذي شهدته مكانة موريتانيا خلال السنوات الأخيرة.
فمنذ تولي فخامة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني قيادة البلاد، اختارت موريتانيا أن تجعل من الاعتدال نهجاً، ومن التوازن أداة، ومن بناء الثقة استراتيجية. وهي خيارات قد تبدو هادئة في زمن الصخب السياسي، لكنها، حين تتراكم، تستطيع أن تصنع للدولة وزناً يتجاوز بكثير حجمها الجغرافي والاقتصادي.
لقد أدركت القيادة الموريتانية أن العالم لا يحتاج دائماً إلى دولة ترفع صوتها، بقدر ما يحتاج إلى دولة يمكن الوثوق بها؛ وأن النفوذ الحقيقي ليس في عدد الخصوم الذين تستطيع الدولة مواجهتهم، وإنما في عدد الشركاء الذين تستطيع الاحتفاظ بهم، وفي مقدار الثقة التي تستطيع أن تراكمها لدى محيطها.
ومن هنا بدأت ملامح موريتانيا في الظهور بصورة أكثر حضوراً على الخريطة الدبلوماسية الإقليمية والدولية: دولة تحافظ على علاقاتها العربية والإفريقية، وتنفتح على شركائها الدوليين، وتدير توازناتها بعيداً عن الاصطفافات الحادة، وتبحث عن مساحات التوافق حيث يرى الآخرون مساحات الخلاف.
ولعل أبلغ دليل على ذلك أن موريتانيا لم تعد تكتفي بالحضور في المؤسسات الدولية، وإنما بدأت كفاءاتها الوطنية تصل إلى مواقع متقدمة في دوائر صناعة القرار الإقليمي والدولي.
فانتخاب الدبلوماسي إسماعيل ولد الشيخ أحمد أميناً عاماً لمنظمة التعاون الإسلامي، ووصول الدكتور سيدي ولد التاه إلى رئاسة مجموعة البنك الأفريقي للتنمية، وتولي الدكتور زين زيدان إدارة أفريقيا في صندوق النقد الدولي، إلى جانب الجهود المبذولة لدعم ترشح السيدة كنبا با (Coumba Ba) لرئاسة المنظمة الدولية للفرانكوفونية، وغيرها من الكفاءات الموريتانية التي أخذت تجد طريقها إلى مواقع المسؤولية الدولية، ليست مجرد وقائع متفرقة.
إنها، في جانب مهم منها، انعكاس لرصيد من الثقة أخذت موريتانيا تراكمه في محيطها العربي والإفريقي وعلى المستوى الدولي.
فحين يُنظر إلى الكفاءة الموريتانية باعتبارها مؤهلة لتولي مواقع بهذا الحجم، وحين تجد الشخصيات الموريتانية أبواباً مفتوحة للمنافسة على قيادة مؤسسات إقليمية ودولية كبرى، فإن الأمر لا يتعلق بالكفاءة الفردية وحدها، على أهميتها؛ وإنما يتعلق أيضاً بالصورة التي أصبحت الدولة نفسها تمثلها في الخارج.
وهنا تبرز أهمية الدور الذي لعبه فخامة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني في الدفع بالكفاءات الوطنية إلى الواجهة الدولية، ومساندتها في الوصول إلى مواقع القرار. فالدولة التي تثق في أبنائها لا تكتفي بأن تمنحهم موقعاً داخل حدودها، وإنما تفتح أمامهم المجال ليكونوا سفراء للكفاءة الوطنية، وجسوراً يصل عبرها حضور البلد إلى المؤسسات الدولية.
ومن هذه الزاوية، فإن دعم الكفاءات الموريتانية ليس مجرد سياسة مرتبطة بأشخاص، وإنما هو استثمار في رأس المال البشري وفي القوة الناعمة للدولة.
ولعل اختيار موريتاني لقيادة منظمة التعاون الإسلامي يمثل أحد أكثر الأمثلة دلالة على هذا المسار. فأن تتوافق دول العالم الإسلامي حول شخصية موريتانية لتولي أمانة منظمة تضم سبعاً وخمسين دولة، يعني أن الاختيار لم يعد متعلقاً بالشخص وحده؛ بل أصبح يحمل، بصورة أو بأخرى، شهادة ثقة في الدولة التي ينتمي إليها.
وهكذا يصبح السؤال الأهم ليس: كيف وصل هذا الموريتاني إلى هذا الموقع؟
بل: ما الذي جعل موريتانيا تنتج، في هذه المرحلة، هذا القدر من القبول والثقة؟
والجواب لا يمكن فصله عن مسار متكامل في إدارة الدولة، وفي بناء علاقاتها، وفي المحافظة على استقرارها، وفي تحقيق إنجازات داخلية جعلت صورتها الخارجية تستند إلى واقع لا إلى خطاب.
فالدبلوماسية القوية تحتاج إلى دولة قوية من الداخل؛ والاستقرار السياسي والأمني، وتحسين البنية التحتية، وتوسيع برامج الحماية الاجتماعية، وتعزيز الخدمات الأساسية، ودعم التعليم والصحة، وتطوير الاقتصاد والاستثمار، واستغلال مقدرات البلاد في مجالات الطاقة والغاز والاقتصاد البحري، كلها عناصر تشكل، مجتمعة، القاعدة التي تتحرك فوقها الدبلوماسية.
وعندما تجتمع هذه العناصر مع قيادة تمتلك رؤية هادئة وبعيدة المدى، تصبح السياسة الخارجية أكثر من مجرد إدارة للعلاقات؛ تصبح وسيلة لإعادة تعريف مكانة الدولة.
وهنا ربما تكمن إحدى أهم سمات المرحلة الراهنة في موريتانيا.
فالرئيس الذي يراهن على الهدوء لا يعني أنه يفتقر إلى الطموح؛ والقائد الذي يتجنب الضجيج لا يعني أنه يفتقر إلى الحضور. بل قد تكون الحكمة السياسية، في كثير من الأحيان، هي أن تعرف متى تتكلم، ومتى تصمت، ومتى تتمسك بموقفك، ومتى تترك مساحة للآخرين حتى يجدوا طريقهم إلى التوافق.
وهذه هي قيمة القيادة المستنيرة: أن ترى أبعد من اللحظة، وأن تدرك أن بعض المكاسب لا تُنتزع دفعة واحدة، وإنما تُبنى لبنة فوق لبنة، حتى يأتي اليوم الذي تظهر فيه نتائجها دفعة واحدة.
وما نشهده اليوم من حضور متزايد للكفاءات الموريتانية في المؤسسات الدولية، ومن اتساع شبكة علاقات البلاد، ومن تنامي الثقة بها في محيطها العربي والإفريقي، ومن أدوارها المتقدمة في القضايا القارية والدولية، يمكن أن يُقرأ في هذا الإطار باعتباره ثمرة لمسار طويل من بناء الثقة.
إن موريتانيا لا تصنع نفوذها بالضجيج، وإنما بالرصيد.
ولا تبحث عن مكانتها من خلال منافسة الآخرين، وإنما من خلال أن تجعل من نفسها شريكاً يحتاج إليه الآخرون.
وفي عالم تتقدم فيه القوة الناعمة على كثير من أدوات التأثير التقليدية، تصبح سمعة الدولة جزءاً من قوتها، وتصبح كفاءاتها جزءاً من نفوذها، ويصبح اعتدال قيادتها رصيداً سياسياً يمكن تحويله إلى أدوار ومواقع وشراكات.
ولذلك، فإن الحديث عن الدبلوماسية الموريتانية في السنوات الأخيرة لا يكتمل من دون الحديث عن القيادة التي رسمت اتجاهها.
فالقيادة الكبيرة ليست فقط تلك التي تنجز المشاريع وتدير مؤسسات الدولة، وإنما تلك التي تستطيع أن تجعل بلدها يُرى من الخارج بصورة مختلفة؛ قيادة تجعل من الاستقرار ثقة، ومن الثقة شراكة، ومن الشراكة نفوذاً، ومن النفوذ مكانة.
وحين تنجح القيادة في ذلك، يصبح الوطن أكبر من حدوده الجغرافية.
وهنا تحديداً يمكن فهم ما يحدث في موريتانيا اليوم: بلد محدود المساحة والسكان، لكنه يتقدم بخطوات متزايدة في مساحة التأثير؛ وكفاءات وطنية أصبحت مطلوبة في مواقع القرار؛ ودبلوماسية هادئة تحولت تدريجياً إلى قوة ناعمة؛ ورؤية سياسية تراهن على أن احترام الآخرين لا يُفرض، وإنما يُكتسب.
وهذه، في النهاية، إحدى علامات القائد الذي ينظر إلى أبعد من زمنه: أن يترك لبلده، إلى جانب ما أنجزه في الحاضر، صورة أكثر قوة وثقة في عيون العالم.
فالأوطان لا تُصنع مكانتها بحجمها وحده، ولا تُقاس قوتها بما تملك من موارد فحسب؛ وإنما تصنعها، في لحظات فارقة من تاريخها، حكمة من يقودها، وبعد نظره، وقدرته على تحويل الثقة إلى مكانة، والمكانة إلى نفوذ، والنفوذ إلى مستقبل.
ومثلما أن التاريخ لا يذكر القادة الكبار بما تركوه من قرارات آنية فحسب، وإنما بما أضافوه إلى صورة أوطانهم وموقعها بين الأمم، فإن أعظم ما يمكن أن يطمح إليه رجل الدولة هو أن يترك لبلده رصيداً من الاحترام يتجاوز حدود عهده، وأن يجعل من وطنه طرفاً يُستمع إليه، وشريكاً يُوثق به، وصوتاً يُحسب له حساب.
تلك هي، في جوهرها، دبلوماسية الثقة: أن يتحول الاعتدال إلى قوة، والحكمة إلى نفوذ، والكفاءة الوطنية إلى إشعاع دولي، وأن يصبح اسم موريتانيا، في لحظات الاختيار، ليس مجرد اسم على الخريطة، بل اسماً قادراً على جمع التوافق وصناعة الثقة وفتح أبواب المستقبل.
مامون أحمدوا
مستشار المدير العام لميناء انواكشوط المستقل،
مكلف بالاستراتيجيات والتنمية المينائية











