الطيب علوي – صحراء ميديا- الطينطان
ضرب البرق، وكبّر الرجال في وجه الريح، واجتمع الحشد الصغير في قاعة الفندق، وفي دقائق انهمر المطر، ثم اشتدّ هزيم الرعد فوق فريدي، عند مدخل الطينطان، وبين الرعد والرعد، دخلت مجموعة من الواقفين على الشرفات، والهواتف التي أضاءت القاعة أقفلت الآن، ثم هبط الصمت.
قلة من فكروا في التجهيزات المتروكة في الساحة لرحمة الريح، أو تذكروا النكتة القديمة, أن أنجع طريقة للاستسقاء، إقامة مهرجان في قرية نائية, و تحجب التماعات البرق من النوافذ الزجاجية الرؤية أكثر مع انقطاع الكهرباء، والفتاة المتمسكة بمقبض الباب لم تستطع رفع طرف ملحفتها الذي بلله المطر المتسرب، شغل الخوف الحشد المختلط.
هكذا تعثرت انطلاقة مهرجان الرعاة الدولي ليلته الأولى.
الافتتاح.. أخيراً
في الصباح، يأبى المهرجان أن يكون ورقة خريفية في مهبّ الريح، يلملم عمال البناء التجهيزات المبعثرة في الساحة، ينصبون المنصة على عجلاتها من جديد، وفي القيلولة ينام علي داوودا بعدما أخذ قسطه من التعب، يمدد قامته القصيرة الصلبة على الحصيرة في قاعة الفندق، ويثقل العرق قميصه المقصوص الأكمام، ويعيد الكرّة لتشغيل هاتفه المتعطل، لكن لا علاقة للمطر بتعطل هاتف علي منذ يومين.
لا يتذمر علي و أصدقاؤه من الوافدين ليلة الهروب الكبير من المطر، والوحل الذي خلفته الأقدام كان حيث ينامون، ”سننام في الطرف الآخر من القاعة لا مشكلة في ذلك“ يقول مع ابتسامة من استغرب سؤالاً، وفي العادة يحب علي المطر، لكن ليس في نواكشوط، وحين نواجهه بحقيقة أن المطر أفسد عليه أياماً من التحضير للحدث، يجد الجواب قريباً على طرف لسانه ”ما دامت تلك إرادة الله فنحن راضون“.
وفي الليلة الثانية يحتفظ علي بمقاربته للنظر في الأمور، وحين تظلم السماء وتلتمع البروق في الأفق البعيد، ينظر لنا نظرة تواطؤٍ وتسليم بإرادة الله، لكن المهرجان ينطلق، ويبدأ دورتَه الثانية التي انتظرها ساكنة الطينطان خريف سنتين، وترى في عيون الرجال من خلل اللثام التماعات البرق في الأفق، والالتفاتات للتأكد من أن الالتماع كان فلاش آلة تصوير لا تتوقف، لكن أضواء منصة المهرجان في النهاية تطغى على غيرها من الأضواء والالتماعات.
وكما أراده القائمون عليه جاء المهرجان؛ منذ انطلاق عروضه الأولى ظهر تفرد شكله ومضمونه، ورغم غياب الموسيقى من اسم المهرجان هذه الدورة, إلا أن حضورها ظل لافتا, فبالنسبة لمدير المهرجان سالم دندو ” أن الموسيقى عصب في حياة الراعي, لا يستغني عنه“ ويحتفظ المهرجان في تسميته بالرعاة, لكن مع توسيع من مدلول الكلمة، يشمل كل ما يمكن أن تحيط به من معنى.
ويحضر هاجس الثيمة في حديث ولد دندو, يريدونه حدثا لا شيء يشبهه, رغم ذلك يحمل المهرجان تنوعا غنيا في اهتماماته, ثقافة رياضة وبيئة, لكن في الأساس تنمية, هذا الهم الذي حمله صاحب الفكرة الأصلية, محمدفال ولد بوخوصه, هو ضرورة حيوية للطينطان المدينة وساكنته, وبعد أعوام من فيضانات ٢٠٠٧ لا تزال المدينة تتعافى من آثارها, ومن الخيبات اللاحقة عليها.
الطينطان القديم.. العوم في مأساتين
يراقب المراهق الضئيل الفرق الإعلامية عن كثب، ويتجمع المصورون المحترفون عند باب الفندق، يقترب المراهق ويعلن عن اسمه؛ أحمد جدو، شغفُه صناعة المحتوى، هذا حضوره الأول لمهرجان الطينطان كما يدعوه، وينوي الالتحاق بمهرجان العيون بعد أيام، وأسرته أصيلة من القرية لكنه يقيم في نواكشوط، ولم يعرف الطينطان إلا في حلته الخضراء هذه كل خريف، لكن ماذا عن الطينطان القديم العائم في مأساتين؛ الماء والإهمال؟

لم يزر أحمد جدو المدينة القديمة قطّ، وُلد قبل عام من فيضان 2007، وحين نسأل عن اتجاهها لا يبدو متأكداً تماماً، لكن الوصول إليها سهل حتى في عزّ موسم المطر، والطريق إليها شريط ممتد من الإسفلت، تغمره المياه عند بدايات القرية المطمورة بالمياه، على شكل جزر ناتئة من الإسمنت، تعلوها صور قديمة وحديثة للدعاية السياسية، من الحملة الأخيرة وسابقاتها.
وتنصب الفرق التلفزيونية عدتها لالتقاط آثار الليلة الماطرة، ويقترب الراشدون من أبناء بقايا القرية، لا يمانعون الحديث للتلفزيون، يريدون لأصواتهم أن تصل، ما يزالون في الانتظار بعد قرابة العقدين، وتمرّ العربة تجرها الحمير، وتصيح السيدة فوق ظهرها في حامل الكاميرا؛ “أخيراً ستعبّدون الطريق، الحمد لله”، لكن المياه تغمر الطريق بدايته ونهايته، لا توفر إلا أرخبيلاً متقطعاً في وسطه.
ويكثر باعة الخبز يحملونه فوق رؤسهم في الطريق إلى حي العنگار فوق مرتفع قرب وسط القرية القديمة، وينفي عمر ولد امبارك أن يكون فرنه الصغير مصدراً لكل ذلك الخبز، أو أن يكون للمهرجان تأثير على مداخيل فرنه, لكنه لا يأسف لكثرة الأفران في حيّه، ومثل علي داوودا لعمر ولد امبارك حكمته الجاهزة على طرف لسانه ”سيأتي ما فيه النصيب من الرزق“.
لكن مطر ليلة البارحة وفّر حي العنگار هذه المرة، كانت الأعرشة الثلاث في حوش أهل امبارك جافّة، وباستثناء البطانيات المعرضة للشمس للتجفيف، كان الأثاث مرتّباً في مكانه، بينما أعدّت أم الحلة زوج عمر الشاي، في حين تفرّس الطفلان البالغ أكبرهما عامين، في وجوه الفريق الإعلامي المتطفل.
”هذا كله كان غمراً من المياه“، تشير أم الحلة إلى المرتفع الذي يقوم عليه عريش العائلة، أما منزل طفولتها, حين دهم الفيضان أسرتها في الحادية عشر ليلاً, فيقوم في الأسفل وسط المدينة، ولا تنوي والدتها العودة إليه رغم انحسار الماء عنه، بل تفضل البقاء في قطعة أرضية, حصلت عليها بعد سنوات من الإقامة في المخيمات، بينما انتقلت أم الحلة منذ ثلاث سنين, للإقامة مع زوجها في حي العنگار.
باتت أسرة أم الحلة ليلة الفيضان في العراء، فوق رابية تحاصرها المياه، دهمهم الفيضان قبل منتصف الليل، لكن العنگار, حيث تعيش الآن, غمره الماء ساعة العصر قبلهم بساعات, كما سمعت فيما بعد، في الصباح وصلت فرق الإنقاذ, وجمعتهم خيمة أقيمت على عجل مع أسرة أخرى, ولفترة طويلة, كان قوت الأسرتين حصة مجانية من اللحم لا أكثر.
ينتصب فرن عمر عند مدخل الحوش، عريش مسقوف بغطاء بلاستيكي، تحدّه مدخنة مرتجلة من الطين وزبل البقر، يوفّر منه عمر قوت أسرته الصغيرة، رغم منافسة الأفران المجاورة، يرى عمر أن إقامة منزل من اللّبِن حلم ممكن، ويغمس إصبعه في التراب كي لا تغمر المياه منزله المتمنّى، كما فعلت مع بيت والده أسفل القرية.
فريدي المزرعة.. العودة المؤقتة للأصل
ويلمع إسفلت الطريق إلى مزرعة فريدي ساعة العصر حاداً في العيون، ويضع سائق السيارة نظارته الشمسية وينطلق، وتتعرج الطريق تراباً تحفه الخضرة وتتخلله المياه، وتمتد مزرعة فريدي فضاءاً شاسعاً حدوده أطراف الجبال البعيدة، ويترجل سكان الطينطان والقرى المجاورة عند بوابة المزرعة، وينتشرون على جنبات الطرق المتعرجة الباحثة عن قلب المزرعة، هناك تنتصب قرية المهرجان النموذجية.

ولا تنتظر العروض في القرية افتتاحاً ولا قص شريط، مجرد السير بين خيَم “لفريگ” وأكواخ “لگصر” فعالية في حدّ ذاته، وتلمع أساور العجوز حين ترفع كفها تضرب الطبل، ولا تبالي بالحرارة العالية ولا بالعرق الذي يتجمع على الطبل مع كل ضربة، وتزاحم أكتافُ المصورين المجلوبين لتغطية الحدث، أكتافَ الحشد المحلي المتجمع في حلقة حول الطبل، كلٌّ يريد أن يأخذ الصورة الأجمل والأكثر دقّةً، رغم ذلك تصيح فتيات في زيهنّ التقليدي، “ليس المهم أن ينجح المهرجان، المهمّ ألا نتصوّر”.
وتشتمّ رائحة العيش وتحاول الوصول لمصدر لها أو دخان تستدل به عليه ولا تجده لكن الرائحة هناك، ربّما هي لصيقة بأبناء الحي المقام وسط المزرعة، تختلط برائحة العشب الندي الذي يبدو التماعه في هذه الحرارة أقرب للعرق، لكن عشب فريدي يحتفظ بطرواته ونداوته رغم الحرارة والأقدام والعجلات التي داسته، بينما تنتصب الأكواخ والخيم بعُدتها الأصيلة، مثل جزر رمادية وسط مساحاته الشاسعة.
ويبدو قاطنو الحي لفترة قصيرة, هي أيام المهرجان، جزءاً أصيلاً من تربة الأرض، بألوانهم وأشكالهم المعروقة، “لأجل هؤلاء وبهم قام المهرجان”، يقول القائمون عليه، ولا يشغل هؤلاء الحي سوى أيام معدودة، لكنهم ليسوا أغراباً على البيئة، فمنطقة أفله التي تحتضن الطينطان, ما زالت تحافظ في جزء كبير منها على أصالتها، وإن اكتفى زوارها المتمدنون برؤيتها فلكلورا شعبياً وديكوراً مؤقتاً.
وتعود الحشود في زرقة المغيب الكئيبة، تشق طريقها إلى فريدي الفندق راجلةً وراكبة، تسابق الغيوم المسرعة غرباً، ”البرق صلوانيّ، المطر مؤكد“، يصيح الشيخ الخبير في السحب. لا يحتمل المهرجان ليلة متعثرة أخرى، “ربما كان الأفضل أن نقيمه شتاءاً، لقد اقترحت ذلك بالفعل”، يقول الناطق باسم المهرجان.
جلس المدعوون رفيعو المستوى على المنصة، وافترش الجمهور الأرض والعشب والحصائر، واتخذت فرق الإعلام هيئة الاستعداد، عين على الحدث وعين على السحب، تبدو داكنة مكتنزة حتى في الظلام، وفي دقائق ضرب البرق, وانهمر المطر, واجتمع الحشد في الفندق, لكن السحابة كانت خفيفة عابرة, عادت الحشود، اختتم المهرجان, لقد كانت مجرد مزحة خريفية أخيرة.