محمد الهادي ـ صحراء ميديا
في صبيحة الخامس من سبتمبر 2021، لم يكن الضجيج المنبعث من حي “كالوم” بكوناكري مجرد أزيز رصاص عابر، بل كان إيذاناً بسقوط “جمهورية ألفا كوندي” وصعود نجم العقيد الشاب مامادي دومبويا.
اليوم، وبعد أربع سنوات من “العبور” القلق فوق جسر المرحلة الانتقالية، يخلع قائد القوات الخاصة خوذته العسكرية ليضع تاج الرئاسة “المنتخب”، في مشهد يختزل تعقيدات الديمقراطية الأفريقية الجريحة، حيث تذوب وعود “القطيعة مع الماضي” في بريق السلطة وصناديق الاقتراع.
حين صححت “شرعية السلاح” مسار الولاية الثالثة
بدأت الحكاية حين قرر الرئيس السابق ألفا كوندي هندسة تعديلات دستورية للبقاء في السلطة، وهو ما فجر غضباً شعبياً استثمره دومبويا بذكاء. ظهر العقيد في أول بث له بملامح صارمة، معلناً حل المؤسسات وإيقاف الدستور، مبرراً خطوته بأن “الوضع الاجتماعي والسياسي والاقتصادي دفع الجيش لتحمل مسؤولياته”.
في تلك الفترة، كانت غينيا تعيش استياءً شعبياً عارماً بسبب زيادة الضرائب وارتفاع أسعار الوقود، مما جعل الانقلاب يلقى قبولاً واسعاً في الشارع الغيني الطامح للتغيير.
كيف كسبت كوناكري معركة “النفس الطويل” مع إيكواس؟
لم تكن سنوات الانتقال هادئة؛ فقد واجه دومبويا ضغوطاً هائلة من المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (إيكواس)، التي فرضت حصاراً اقتصادياً ومالياً على كوناكري، مطالبة بجدول زمني واضح للعودة إلى الحكم المدني. بين وعود دومبويا بتقليص الفترة وسعي العسكر لتثبيت أقدامهم، دخلت البلاد في نفق من الأزمات ونقص المحروقات وانقطاعات الكهرباء. لكن دومبويا نجح في “ترويض” الأزمة، مستنداً إلى خطاب سيادي، حتى أعلنت “إيكواس” رفع العقوبات في فبراير 2024، في خطوة اعتُبرت انتصاراً تكتيكياً للمجلس العسكري الغيني مهد الطريق لترتيب البيت الداخلي.
في أكتوبر 2021، أقسم دومبويا على ميثاق انتقالي يمنعه من الترشح، لكن “ضرورات المرحلة” غيّرت المسار. في سبتمبر 2025، جرى الاستفتاء على دستور جديد أعدته السلطة الانتقالية، ولم يكتفِ هذا الدستور بتحديد مأمورية الرئيس بسبع سنوات، بل ألغى القيد الذي كان يمنع قادة المرحلة الانتقالية من دخول حلبة المنافسة. ورغم دعوات المقاطعة من رموز المعارضة، مرّ الدستور بنسبة مشاركة قياسية، مشكلاً “الغطاء القانوني” الذي شرعنت كوناكري من خلاله ترشح دومبويا في انتخابات ديسمبر.
نموذج كوناكري “الاستثناء” في نادي الانقلابات
بفوزه هذا، تكرس غينيا نفسها كحالة “استثنائية” ضمن نادي دول “الانقلابات الأخيرة” في منطقة الساحل وغرب أفريقيا. فبينما لا تزال مالي وبوركينا فاسو والنيجر غارقة في صراعات أمنية وجودية أدت لتأجيل استحقاقاتها الانتخابية مراراً، نجحت كوناكري في أن تكون “أول العائدين” بزي مدني.
دومبويا قدم نموذجاً مختلفاً للشرعية؛ إذ استطاع تنظيم انتخابات ضمنت له البقاء في السلطة عبر الصناديق لا الرصاص، وهو مسار قد يلهم جيوش الجوار الساعية لمخارج مشابهة تمنح أنظمتها اعترافاً دولياً دون التنازل عن مقاليد الحكم.
هل تنهي “الولاية الجديدة” دوامة الانقلابات المزمنة؟
وصلت غينيا إلى اقتراع 28 ديسمبر 2025 وسط مشهد سياسي أُفرغ من كبار اللاعبين؛ فبين منافٍ اضطرارية وملاحقات قضائية، وجد أبرز المعارضين أنفسهم خارج اللعبة، مثل سيلو دالين ديالو وألفا كوندي. جاءت النتائج الأولية لتعلن فوز دومبويا بنسبة 86.72%، وهي نتيجة يراها أنصاره تفويضاً شعبياً لمواصلة إصلاحاته في قطاع التعدين، بينما تراها المعارضة “تكريساً لحكم الفرد” في ظل مناخ من الترهيب وتقييد الحريات الصحفية والسياسية.
يدخل دومبويا عامه الأول كرئيس “منتخب” بشعار “عام العمل والانضباط والوحدة”، محاولاً طمأنة الداخل والخارج بدعوته للحوار الوطني وتأكيده أنه “لا يوجد منتصر ولا مهزوم”. لكن التحدي الأكبر يظل في قدرة “سيد القصر” الجديد على إقناع المجتمع الدولي بأن غينيا استعادت مسارها الديمقراطي فعلاً، وفي تحويل الثروات المعدنية الهائلة إلى تنمية حقيقية تلامس حياة المواطنين الذين انتظروا طويلاً نهاية “الفترة الانتقالية”.











