الوقت يمر، يرفع إسحاق عينيه بين الحين والآخر إلى ساعته المثبّتة على معصمه، كأنه يلاحق دقائق حظر التنقل قبل أن تُغلق عليه الطريق إلى منزله في لكصر، وسط العاصمة نواكشوط.
في مقهى قريب، يحتدم النقاش بهدوء، بشأن قرار حظر التنقل بعد منتصف الليل، ضمن إجراءات ترشيد استهلاك الطاقة، وهي العبارة التي باتت تتردد بكثرة على ألسنة الموريتانيين هذه الأيام.
ارتفاع أسعار المحروقات أعاد ترتيب تفاصيل يومية كثيرة، فعدد من الموريتانيين غيّروا طرقهم في التزود بالوقود، بعضهم يحرص على تعبئة الخزان بالكامل خشية مفاجآت قد تفرضها السوق أو ترفع الأسعار من جديد.
يقول إسحاق إن خطته بسيطة، لكنها أصبحت جزءًا من روتينه اليومي: تعبئة السيارة في أوقات لا تشهد ازدحامًا، بعيدًا عن طوابير تمتد أحيانًا أمام محطات الوقود.
وفي حديثه لصحراء ميديا، يوضح أنه منذ إعلان الحكومة إجراءات التقشف لمواجهة أزمة الطاقة، بات يعتمد على إبقاء خزان سيارته ممتلئًا قدر الإمكان، ثم تعويض ما ينقص منه صباحًا.

ويضيف: «عادة في الصباح لا تكون هناك طوابير، فأغتنم الفرصة لزيادة المخزون إذا كان المؤشر قد أظهر انخفاضه».
ولا تختلف خطة جمال كثيرًا، غير أنه اختار مسارًا آخر، إذ يفضل التوجه إلى محطات تقع في طرق غير رئيسية، حيث يقل الازدحام، ويكون الوصول إلى الوقود أسهل نسبيًا.
ويشرح جمال لصحراء ميديا أن اختياره لتلك المحطات يعود إلى موقعها الهادئ مقارنة بالطرق المعروفة، إضافة إلى توفر الوقود فيها بشكل أكبر، ما يجنّبه الانتظار الطويل في الطوابير.
الوقت يمر، والحديث في المقهى يتشعب بين الأخبار المتداولة وهموم المعيشة، بينما تظل الحرب في إيران حاضرة في النقاش، وكأنها صارت جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية لدى عدد من الشباب، لما تفرضه من تداعيات اقتصادية ومعيشية تمتد إلى الداخل.
في المقاهي، يتابع الحاضرون ما يصلهم من أخبار عبر هواتفهم، بعضهم يبحث عن بصيص أمل يشير إلى اقتراب نهاية الحرب، وكأن مصيرهم بات مرتبطًا بصمت الصواريخ وهدير الطائرات.
يقول جمال، وهو يعمل في شركة شحن، إنه لم يكن يتوقع أن يكون العالم مترابطًا إلى هذا الحد، بحيث تؤثر حرب تدور على بعد آلاف الكيلومترات على تفاصيل الحياة في بلده.
ويضيف في حديثه: «نعيش هذه الحرب بشكل غير مباشر، فالأسعار ارتفعت جراء تداعياتها، من بينها إغلاق مضيق هرمز وتوقف بعض منشآت النفط في الخليج عن العمل، إضافة إلى إجراءات مثل حظر التنقل بالسيارات».
ويرى جمال أن الحرب كشفت هشاشة الوضع الاقتصادي، وعدم قدرته على الصمود في وجه الأزمات والنزاعات، وهو ما يعبّر عنه بقوله: «هذا ما كشفته الحرب».
لا تغيب السياسة عن النقاش، حيث لفت شاب خلال مداخلته الانتباه إلى مفهوم «المجهول» الذي تحدث عنه المفكر الراحل محمد يحظيه ولد بريد الليل.
أبان المختار، وهو شاب حاصل على الماستر في القانون، عن قراءة سياسية لما يجري، موضحًا أن المعادلة التي كان يشير إليها ولد بريد الليل تتكون من ثلاثة عناصر: النظام الحاكم، المعارضة السياسية، و«المجهول».
ويعتبر المختار أن هذه العناصر الثلاثة هي التي تحدد مصير الدولة ومستقبلها، مشيرًا إلى أن «المجهول» عنصر غير مرئي لكنه قابل للانفجار في أي لحظة، وأن «النظام الفطن هو من يوجه بوصلته نحوه، لا نحو المعارضة المرئية فقط».
ويضيف أن ما يقصده بـ«المجهول» في السياق الحالي هو ارتفاع أسعار المحروقات وما يترتب عليه من غلاء معيشي، وهو ما يفرض، بحسبه، أولوية في النقاش العام.
يرى أن الحكومة تبدو، في الظرف الراهن، في وضع سياسي مريح نسبيًا، مستندًا إلى ما يصفه بمهادنة وانفتاح من جانب المعارضة الحالية، وهو ما تعكسه لقاءات الرئيس مع الطيف المعارض خلال الأسبوعين الماضيين.
غير أن هذا التصور، بحسبه، ينطلق من اختزال المعادلة السياسية في المعارضة «المرئية»، بما يفضي إلى إغفال العنصر الثالث، المتمثل في «المجهول»، الذي يظل، في تقديره، قائمًا وخطرًا على نحو متزايد.
نقاش المختار جذب انتباه من حوله، ما دفع بعض الحاضرين إلى البحث في هواتفهم عن اسم المفكر محمد يحظيه ولد بريد الليل، قبل أن يقطع إسحاق النقاش بنظرة إلى ساعته، معلنًا أن الساعة تقترب من الحادية عشرة، وأن وقت الحظر بات وشيكًا.
وعلى مقربة من المقهى، كان الازدحام على أشده، بينما يحاول شرطي المرور تنظيم حركة السير بإشارات متتابعة من يديه وصافرته، في سباق مع الوقت، مع حرص السائقين على الوصول إلى وجهاتهم قبل حلول منتصف الليل.
وسط تلك الزحمة، كانت أعمدة الإنارة العمومية مطفأة، فيما اعتمدت الحركة على أضواء السيارات، في إطار إجراءات ترشيد استهلاك الطاقة التي اتخذتها الحكومة، استجابةً لتداعيات أزمة الطاقة العالمية، وما رافقها من ضغط على الموارد وارتفاع في تكاليف الإمدادات.
مع اقتراب ساعة الصفر، تتراجع حركة السير تدريجيًا، وينسحب الشرطي إلى جانب الطريق، فيما يظل هدير الدراجات النارية حاضرًا، وهي تواصل عملها في توصيل الطلبات، بعد أن استثنت السلطات خدمات التوصيل من قرار حظر التنقل.











